من إلغاء شرط الحوكمة إلى إستعادة التمويل بالجملة.. فرصة جديدة أمام مؤسسات التمويل الأصغر
Mazin
نعمان يوسف محمد
أصدر بنك السودان المركزي، في 10 أغسطس 2026م، منشوراً موجهاً إلى كافة المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر، بشأن منح التمويل الأصغر والتمويل بالجملة، تضمن إلغاء التعميم الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 2020م بشأن استكمال مطلوبات الحوكمة لدى المؤسسات العاملة في مجال التمويل الأصغر.
وقد يبدو القرار، للوهلة الأولى، إجراءً تنظيمياً محدوداً، لكنه في واقع الأمر يحمل دلالة مهمة على مستقبل العلاقة بين المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد السوداني، وما ترتب على الحرب من تراجع كبير في الموارد وتقلص قدرة مؤسسات التمويل الأصغر على الوصول إلى خطوط تمويل جديدة.
من بوابة الحوكمة إلى بوابة الجدارة الائتمانية:
خلال السنوات الماضية، كان حصول مؤسسات التمويل الأصغر على التمويل من المصارف مرتبطاً عملياً باستيفاء مطلوبات الحوكمة والحصول على خطاب يفيد بذلك. وبذلك أصبحت الحوكمة، رغم أهميتها وضرورتها، شرطاً تنظيمياً سابقاً على التمويل.
وكانت المعادلة تبدو على النحو التالي: – استيفاء مطلوبات الحوكمة – الحصول على الخطاب – إمكانية الحصول على التمويل المصرفي.
أما المنشور الجديد فينقل العلاقة إلى منهج مختلف؛ إذ يؤكد أن على المصارف تقييم مخاطر تمويل مؤسسات التمويل الأصغر، والتحقق من جدارتها الائتمانية واستيفائها للضوابط المنظمة قبل اتخاذ قرار منح التمويل.
وهنا تكمن أهمية التحول… فبنك السودان المركزي لم يُلغِ الحوكمة، ولم يخفف من أهميتها، وإنما ألغى اشتراط خطاب استيفاء مطلوبات الحوكمة كمدخل إلزامي سابق للتمويل، وترك للمصرف مساحة أوسع لممارسة مسؤوليته الائتمانية في تقييم المؤسسة واتخاذ القرار المناسب بشأنها.. إنها نقلة من الرقابة القائمة على الإذن المسبق إلى التقييم القائم على المخاطر والجدارة الائتمانية.
لماذا يأتي القرار في توقيت بالغ الأهمية؟:
تواجه مؤسسات التمويل الأصغر اليوم تحدياً يتجاوز ضعف رأس المال؛ إذ إن أحد أكبر التحديات يتمثل في انقطاع قنوات التمويل بالجملة التي تمكن المؤسسة من إعادة تدوير مواردها وتوسيع محفظتها والوصول إلى أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
فالمؤسسة قد تمتلك الخبرة، والانتشار، والعملاء، ونظم التشغيل، وربما محفظة قابلة للنمو، لكنها لا تستطيع التوسع إذا لم تتمكن من الوصول إلى مصادر تمويل جديدة.
وفي هذه الحالة تصبح المشكلة دائرة مغلقة: ضعف الموارد – تقلص التمويل – تراجع النشاط والإيرادات – ضعف القدرة على التطوير المؤسسي – صعوبة الوصول إلى التمويل – مزيد من الضعف.
ومن هنا تكتسب خطوة البنك المركزي أهمية خاصة؛ لأنها تزيل أحد العوائق التنظيمية التي كانت تقف بين مؤسسات التمويل الأصغر والمصارف.
إلغاء القيد لا يعني أن التمويل أصبح مضموناً:
ومع ذلك، فإن القراءة المهنية للمنشور تقتضي عدم الخلط بين أمرين.. إلغاء اشتراط خطاب استيفاء مطلوبات الحوكمة لا يعني أن المصارف أصبحت ملزمة بتمويل مؤسسات التمويل الأصغر.. فالقرار الائتماني سيظل خاضعاً لتقييم المصرف للمؤسسة ومخاطرها وقدرتها على السداد ومدى استيفائها للضوابط المنظمة.
وبالتالي فإن الكرة أصبحت الآن في ملعب مؤسسات التمويل الأصغر والمصارف معاً.. فالمؤسسة لم تعد مطالبة فقط بأن تقول: لدي خطاب استيفاء الحوكمة، وإنما أصبحت مطالبة بأن تقدم للمصرف ملفاً ائتمانياً مقنعاً يثبت أنها جديرة بالتمويل وقادرة على إدارة الموارد وسدادها.
التحدي التالي: الجدارة الائتمانية وملاءة الضمان.. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.. فإذا كان التحدي السابق هو استيفاء مطلوبات الحوكمة، فإن التحدي الجديد سيكون بدرجة أكبر الجدارة الائتمانية وملاءة الضمان.
فالمصرف الذي سيمنح خط تمويل بالجملة لن ينظر فقط إلى الشكل القانوني للمؤسسة أو اكتمال هيكلها الإداري، وإنما سيسأل أسئلة أكثر ارتباطاً بالمخاطر: هل المؤسسة قادرة على السداد؟ ما جودة محفظتها التمويلية؟ ما مستوى التعثر؟ كيف تدير مخاطر الائتمان؟ ما حجم حقوق الملكية؟ ما قدرتها على امتصاص الخسائر؟ ما مصادر السداد؟ما التدفقات النقدية المتوقعة؟ وما الضمانات المتاحة، وما مدى كفايتها وملاءتها لتغطية الالتزام التمويلي؟
وهنا ينبغي أن تدرك مؤسسات التمويل الأصغر أن الحصول على التمويل لن يكون نتيجة لإلغاء شرط تنظيمي فقط، وإنما نتيجة لبناء ثقة ائتمانية حقيقية مع المصرف.
من “خطاب الحوكمة” إلى “ملف الثقة”:
هذه هي النقلة التي ينبغي أن تستوعبها مؤسسات التمويل الأصغر.. ففي الماضي كان السؤال المركزي: “هل استوفت المؤسسة مطلوبات الحوكمة؟” أما السؤال الذي سيصبح أكثر أهمية أمام المصرف فهو: “هل هذه المؤسسة جديرة بالتمويل؟” والفارق بين السؤالين كبير.
الجدارة الائتمانية لا تُبنى باللوائح وحدها، وإنما بالأداء المالي، وجودة المحفظة، والانضباط المؤسسي، والشفافية، والقدرة الإدارية، ونظم إدارة المخاطر، والسجل الائتماني، والتدفقات النقدية، وكفاءة استخدام الموارد.
أما الضمان، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مستند يقدم للمصرف، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة الحماية الائتمانية التي تمكن المصرف من إدارة مخاطر التمويل.
فرصة لإعادة بناء سوق التمويل بالجملة:
إذا أحسن التعامل مع المنشور، فإنه يمكن أن يشكل بداية لإعادة تنشيط سوق التمويل بالجملة في السودان. فالمؤسسات المتخصصة في التمويل الأصغر تمثل حلقة مهمة بين الموارد المصرفية والفئات التي يصعب على المصارف الوصول إليها مباشرة، خصوصاً أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمزارعين والمنتجين والحرفيين والنساء والشباب.
ومن ثم فإن تمويل مؤسسات التمويل الأصغر لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد قرض لمؤسسة مالية، وإنما باعتباره قناة لتوصيل التمويل إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الحقيقي.
وهذا مهم بصورة خاصة في مرحلة التعافي وإعادة بناء النشاط الاقتصادي، حيث تحتاج آلاف المشروعات الصغيرة إلى رأس المال العامل والتمويل الإنتاجي أكثر من حاجتها إلى برامج نظرية أو مبادرات مؤقتة.
المطلوب الآن .. الانتقال من القرار إلى التنفيذ:
المنشور خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق.. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى تعاون واضح بين بنك السودان المركزي والمصارف ومؤسسات التمويل الأصغر لوضع آلية عملية تعيد تنشيط التمويل بالجملة.
وقد يكون من المفيد تطوير إطار موحد يساعد المصارف على تقييم مؤسسات التمويل الأصغر، يتضمن مؤشرات واضحة للجدارة الائتمانية، وجودة المحفظة، وكفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، والحوكمة، والتدفقات النقدية، والضمانات وملاءتها.
وفي المقابل، ينبغي على مؤسسات التمويل الأصغر أن تستعد لهذه المرحلة بإعادة بناء ملفاتها الائتمانية، وتحسين بياناتها المالية، ورفع جودة تقاريرها، ومعالجة مواطن الضعف في محافظها، وتطوير نظم إدارة المخاطر، وإعادة النظر في هياكل الضمانات.
الخلاصة: منشور بنك السودان المركزي الصادر في 10 أغسطس 2026م يمكن أن يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.. فهو يزيل قيداً تنظيمياً كان يحول دون وصول مؤسسات التمويل الأصغر إلى التمويل المصرفي، وينقل مسؤولية القرار بدرجة أكبر إلى العلاقة الائتمانية المباشرة بين المصرف والمؤسسة.
لكن نجاح الخطوة لن يقاس بعدد المنشورات الصادرة، وإنما بعدد خطوط التمويل التي ستعود فعلياً إلى مؤسسات التمويل الأصغر، وحجم الموارد التي ستتدفق منها إلى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
لقد أُزيلت الآن إحدى البوابات.. لكن الباب التالي هو الجدارة الائتمانية، ومفتاحه القدرة على السداد، وجودة الأداء، وملاءة الضمان.
ومن هنا تبدأ مسؤولية مؤسسات التمويل الأصغر في الانتقال من مرحلة البحث عن “خطاب يسمح بالتمويل” إلى مرحلة بناء مؤسسة تستحق التمويل.. وهذه، في تقديري، هي الخطوة الأهم في طريق استعادة التمويل الأصغر لدوره التنموي في مرحلة تعافي الاقتصاد السوداني.