الخرطوم – محمد البشاري في ذات منزله المطل على شارع البلدية بوسط العاصمة الخرطوم بدأ حاكم إقليم دارفور هادئا ومرتبا حينما استقبل مساء الأحد عدد من الصحفيين، خلال الجلسة التي امتدت لنحو ساعتين أرسل مناوي رسائل عدة في عدد من قضايا الراهن، وأزال الالتباس والجدل حول تصريحاته الأخيرة.
أزمة موروثة: وقال مناوي، إن جذور الأزمة السودانية تعود إلى طبيعة المؤسسات الموروثة منذ عهد الاستعمار، وأوضح مناوي أن المؤسسات في السودان سواء المدنية أو العسكرية أو الأهلية ورثت مناهج وأيديولوجيات وضعت في الحقبة الاستعمارية، مشدداً على أن الأنظمة المتعاقبة حتى بعد الاستقلال لم تحدث قطيعة جذرية مع تلك المناهج.
وأضاف: “استمرينا في إدارة الدولة بآليات وقوالب صُممت لخدمة مصالح خارجية بدلاً من التأسيس لمشروع وطني خالص”.
وانتقد مناوي حصر العمل السياسي والتفاوض في إطار ضيق يقتصر على نخب معينة، وقال: “الحوار الحقيقي يجب أن يكون قاعدياً ويضم كل ممثلي الشعب السوداني لكي يتعرف السودانيون على بعضهم البعض بشكل عميق”.
تدخلات خارجية: وأشار إلى أن تكرار الأزمات والانهيارات السياسية سببه الأساسي هو انفصال النخب الحاكمة والمتفاوضة عن نبض الشارع الحقيقي والكتلة الكبرى للمجتمع.
وحول الأدوار الخارجية، فكك مناوي طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية، موضحاً أن الرباعية تتركز حول الأبعاد الأمنية والعسكرية، بينما تتناول الخماسية التي تضم منظمات كالإيقاد والجامعة العربية ودولاً أخرى الأبعاد السياسية.
وأقر مناوي بأن هذه الآليات قد تلعب دوراً في تقديم الدعم لتوفير منصات للحوار، إلا أنه شدد قائلاً: “العبرة تظل بالقرار الوطني الخالص الذي يصنعه السودانيون بأنفسهم لضمان استقرار السوق والمجتمع والدولة”.
وتطرق مناوي بجرأة إلى وضع القوات المسلحة والأحزاب السياسية، واصفاً إياها بأنها مؤسسات ورثت ذات الاشكالات الهيكلية، حيث تتأثر المواقف السياسية أحياناً بضغوط تكتيكية تؤدي إلى حلول هشة لا تصمد أمام التحديات.
وحذر مناوي من أن أي اتفاقيات أو تسويات لا تعالج الاختلالات البنيوية العميقة ولا تشرك المكونات الحقيقية للشعب، ستظل عرضة للانتكاس المتكرر والعودة إلى مربعات العنف والاقتتال.
إنهاء المليشيات: ومضى حاكم إقليم دارفور للتأكيد على أن استقرار السودان مرهون بإنهاء وجود المليشيات وإخضاع ملف السلاح للمؤسسات الرسمية والحوار الوطني الجامع.
وشدد على أن حل الأزمة السودانية يستوجب حواراً وطنياً جامعاً يحدد هيكلة القوات المسلحة وضبط السلاح، بعيداً عن أوهام فرض السلطة بشرعيات موازية أو سلطات أمر واقع.
وقال مناوي إن الوجود المليشياوي كان وما يزال السبب الرئيسي في تدهور البلاد وإشعال الحروب، مجدداً رفضه القاطع لما أسماه “دولة المليشيا”.
وأوضح أنه خاطب أسر الشهداء والأرامل والضحايا بتأكيد قاطع على هذا الموقف، مشدداً على أن أي سلاح يجب أن يُرفع تحت بند “إعادة النظام والسيطرة” لحماية الدولة واستعادة هيبتها، وليس لفرض واقع سياسي بقوة السلاح.
شرعنة وخيانة: وحذر مناوي بلهجة شديدة من محاولات إجبار الأطراف الوطنية على الجلوس أو التوقيع مع ما يسمى بـ “حكومة التأسيس” أو “دولة التأسيس”.
واعتبر أن الاعتراف بهذه المسميات هو بمثابة شرعنة لتقسيم البلاد وخيانة صريحة لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف من الظروف.
وأشار حاكم إقليم دارفور إلى أن استغلال السياسيين للجيش والعكس عبر العقود الماضية أدى إلى تشويه العملية السياسية والعسكرية معاً، مؤكداً أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من جيش وشرطة وأمن يجب أن تكون مؤسسات خاضعة للقرار السياسي والتوافق الوطني عبر طاولة الحوار، وليست أداة لتحقيق مآرب سياسية لجهة بعينها.
وجدد مناوي التأكيد على أن مشاركة حركات الكفاح المسلح ضمن “القوة المشتركة” هي وضعية مؤقتة ومحكومة بنصوص اتفاق جوبا لسلام السودان المحددة بـ 39 شهراً لتنفيذ الترتيبات الأمنية.
وأوضح أنه تم تجديد واستحقاق هذه المادة دستورياً عقب التعديلات الدستورية الأخيرة لضمان عدم وجود أي فراغ قانوني، وأن الهدف النهائي هو دمج هذه القوات بالكامل داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية للدولة.