مغامرة النزوح من دارفور إلى تشاد عبر ممرات النار

دارفور- في ليلة سقوط مدينة الفاشر، لم يجد محمد آدم حامد، أحد الناجين من حي “الدرجة الأولى”، خيارا سوى الهرب نحو الغرب، متجها سيرا على الأقدام نحو بلدة طويلة، الواقعة على بُعد 68 كيلو مترا.
كان الطريق مليئا بالجثث التي غمرت بعضها الرمال، وقد حمل معه فقط ما استطاع رفعه على أكتافه، واضطر إلى دفع فدية قدرها 10 آلاف جنيه سوداني في منطقة “قرني” قبل أن يتمكن من الوصول إلى بر الأمان.
وتشكل رحلة حامد هذه مثالا عن مسار طويل من المعاناة عاشها آلاف السكان الآخرين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة منازلهم، لتصبح هذه الحركة جزءا من أكبر أزمة نزوح في العالم حاليا.
ومنذ بداية القتال في السودان منتصف أبريل/نيسان 2023، نزح نحو 13 مليون شخص، بينهم أكثر من 7.3 ملايين نازح داخل السودان، وأكثر من 4.3 ملايين فروا إلى دول الجوار، وفقا لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
انهيار الفاشر
مع سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في قبضة قوات الدعم السريع يوم 26 أبريل/نيسان 2025، دخل الإقليم مرحلة جديدة من الانهيار، وبدأت موجة نزوح جماعي غير مسبوقة، حيث انهارت الخدمات الأساسية، وأُغلقت المستشفيات، وغابت الدولة عن المشهد، في حين لم يجد عشرات الآلاف من السكان سوى الفرار غربا.
ومن الفاشر تبدأ رحلة النزوح عبر طويلة ونيرتتي في جبال مرّة، وصولا إلى زالنجي فالجنينة، التي تحولت من مركز تجاري إلى مدينة شبه خالية من سكانها الأصليين.
يشير وليد مختار، وهو ممرض سابق في مستشفى الفاشر، إلى أن الأسواق أصبحت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، مع انتشار مسلحين على دراجات نارية، وقد دُمرت البنية التحتية، وانتشرت تجارة الوقود في الشوارع.
ويضيف مختار في حديثه للجزيرة نت أن بوابات الدخول والخروج تحولت إلى نقاط ابتزاز، يُجبر فيها السائقون على دفع “إتاوات” خارج نطاق أي قانون.
أما الجنينة، التي كانت تُعرف بـ”مدينة الملاذ الآمن”، أصبحت اليوم بوابة مفتوحة نحو تشاد، هربا من حرب طاحنة أهلكت المنطقة.
محطة المنفى
عند الوصول إلى بلدة أدكونغ الحدودية، تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة، حيث تصل السيارات المحمّلة بالأسر إلى ساحة بيع الوقود وسط السوق، وتُفرغ الأمتعة وتنقل على عربات تجرها الحمير، لكن النازحين يُجبرون على السير على الأقدام نحو بلدة “أدري” التشادية، بأجساد أنهكها التعب وأرواح أثقلها الحزن.
يقول مصطفى بره، مدير منظمة “يد الخير” المحلية للإغاثة، من مخيم “أردمي” في شرق تشاد “نستقبل يوميا عشرات الفارين من جحيم الحرب في دارفور، أغلبهم من الفاشر، يصلون وهم يروون مغامرة الموت التي اختاروها بدلا من البقاء تحت الموت الجاثم في مدنهم”.
ويضيف بره للجزيرة نت أن الطريق من الفاشر إلى تشاد يمثل مخاطرة لا تُصدق، حيث تقطع النساء والأطفال والشيوخ مسافات طويلة، وقد وثقوا خلال الشهر الماضي وصول 68 حالة اغتصاب إلى مخيم “بامي جورا” عقب سقوط المدينة، فبعض العائلات تضطر لدفع كل ما تملك لركوب شاحنة مكتظة، لتجد نفسها لاحقا مجبرة على النزول والمشي عبر مسارات وعرة، تاركة أمتعتها خلفها.
ويصف بره الحالة التي يصل بها الوافدون الجدد بالقول إنهم “يصلون بلا أحذية، أقدامهم متورمة ومجروحة، وملابسهم ممزقة، والأطفال يعانون من الجفاف وسوء التغذية الحاد، ونحن نحاول تقديم الإسعافات الأولية، لكن جراح الذاكرة أعمق، فهم يروون عن فرارهم تحت القصف، وعن مشاهد لم يستطيعوا نسيانها، وعن أحباء فقدوهم أو اضطروا لتركهم خلفهم”.
وتشير تقارير محلية إلى أن الأطفال والنساء يشكلون نحو 70% من النازحين الجدد إلى تشاد، ويعاني كثير منهم من سوء التغذية الحاد، وسط تزايد حالات العنف الجنسي والاستغلال على طرق النزوح، وغياب برامج الحماية والدعم النفسي.
تحديات متزايدة
يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور محمد سليمان أتيّم، الذي وصل مؤخرا إلى مخيمات اللجوء في تشاد، إن أعدادا كبيرة من سكان الفاشر وصلت إلى الأراضي التشادية، وأغلبهم استقروا في مخيمي “أردمي” و”تلوم”.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن “المنظمات الإنسانية تقدم مساعدات محدودة لا تكفي لسد الحاجات الأساسية، والاعتماد الأكبر بات على جهود ذاتية، مثل تكية الفاشر التي نقلها المتطوع محيي الدين شوقار إلى هناك، وتوفر وجبات يومية رغم شح الموارد”.
وتستضيف تشاد أكثر من مليون لاجئ سوداني -وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين- في ظل بنية تحتية هشة وخدمات أساسية محدودة، في حين لا تزال تستقبل مئات الوافدين الجدد أسبوعيا.
طريق الموت
وفي موازاة النزوح غربا، اختار بعض السكان طريقا شرقيا عبر كردفان نحو مدينة الدبة، رغم خطورته الكبيرة، فهذا المسار تحفه الأخطار من كل جانب، وتنتشر على جانبيه هياكل سيارات محترقة بفعل ضربات الطائرات المسيّرة أو الكمائن المسلحة.
يقول أبكر سليمان، وهو نازح من الفاشر وصل حديثا إلى أم درمان، للجزيرة نت “مررنا من نيالا إلى اللعيت، ثم أم بادر، فالظراف، وأخيرا المفرد إلى الدبة، الطريق محفوف بالأخطار، ويمنع فيه السفر حتى على النساء، اضطررت للتخفي كمساعد شاحنة تابعة لإحدى المنظمات الدولية حتى تمكنت من الوصول”.
وفي خضم هذه المأساة، نشأ اقتصاد موازٍ يتغذى على معاناة الفارين، حيث ارتفعت تكاليف النقل إلى مستويات خيالية، تعكس استغلالا ممنهجا لحاجة الناس إلى النجاة، حيث تصل أسعار الأجرة:
من طويلة إلى قولو بجبال مرّة إلى 100 ألف جنيه سوداني (166 دولارا).
ومن قولو إلى نيرتتي 70 ألفا (116 دولار).
ثم 100 ألف إضافية إلى زالنجي.
أما من يختار طريق الجنينة فأدكونغ، فقد يدفع ما يقارب 200 ألف جنيه (332 دولارا).
ويبرر السائقون ارتفاع هذه الأسعار بالأخطار التي يتعرضون لها، وباحتمال مصادرة مركباتهم من قبل عناصر الدعم السريع، مما يجبرهم على دفع “إتاوات” مرتفعة عند الحواجز، لتُحمّل هذه التكاليف في النهاية كليا على كاهل المسافرين.
ما يحدث في دارفور ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات من الصراعات، التي تفاقمت بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، في ظل غياب سلطة مركزية، فتحولت المدن إلى مسارح مفتوحة للنهب والقتل والابتزاز.
وتقول قوات الدعم السريع إنها “لا تستهدف المدنيين”، في حين لم يتسن للجزيرة نت الحصول على تعليق رسمي بشأن الأخطار التي يواجهها الفارون عبر مناطق سيطرتها، أو حول الاتهامات المتعلقة بانتهاكات ضد المدنيين بحجة تعاونهم مع الجيش أو القوات المشتركة.
وبهذه الصورة، تتحول رحلة النزوح من دارفور إلى تشاد من مجرد عبور لحدود جغرافية إلى اختراق متواصل لحواجز الخوف والألم، فالحدود التشادية ليست سوى محطة في رحلة معاناة أطول، حيث تحل مأساة اللجوء والفقر محل فظائع الحرب والطريق.
نقلا عن الجزيرة نت


