مرور عام على رحيل السفير عثمان السيد.. من مآثر رجل المكرُمات.. صاحب الجولات في الأمن والدبلوماسية

صالح محمد علي

القاهرة: مايو 2026م

مرَّ الأسبوع الماضي عام على وفاة السفير عثمان السيد فضل السيد، الذي توفي بأمدرمان في يوم 12 مايو 2025م. وما بين الميلاد بحي القبة بمدينة الأبيض عاصمة كردفان عام 1940م، والوفاة عن عمر يناهز 85 عاماً، قضى قرابة ستة عقود منها في العمل العام بمجالات الأمن والدبلوماسية والدراسات، قدم خلالها نموذجاً متفرداً في القيام بالمسؤولية وأداء الواجب. ورغم مرور عام ما زال الحزن على سعادة السفير قائماً عند كل من عرفه أو تعامل معه، ليس لنبل صفاته وكريم أخلاقه وحسن عشرته فقط، وإنما لما مثله كرجل خدمة مهنية متفانٍ في أداء واجبه الوظيفي والوطني. طوَّع خبرته ومعرفته ومهاراته لخدمة أمن السودان في ظل ظروف محلية وإقليمية بالغة التعقيد. وشكَّل مدرسة وتجربة جديرة بالوقوف عندها وإظهارها للرأي العام حتى تستفيد منها الأجيال الجديدة وهي تستكشف طريق الخروج من ويلات الحرب وتتصدى لما بعدها من تحديات.
النشأة والدراسة
درس عثمان السيد تعاليم الدين بخلوة جده لأمه الشيخ محمد أبو حراز، ثم التحق بالدراسة النظامية في الأبيض وصولاً إلى مدرسة خورطقت الثانوية، التي كانت تمثل مع مدرسة حنتوب ووادي سيدنا أساس التعليم الثانوي وعماد الدخول للوظائف العامة أو التأهل للدراسة الجامعية في السودان آنذاك. وما بين الخلوة وخورطقت تشكَّل وعيه واهتمامه بالقضايا الوطنية، خاصة أن خورطقت كانت تضم طلاباً من كل أقاليم السودان. وزاد من ذلك أن فترة دراسته بها تزامنت مع الحراك الوطني الذي أثمر الاستقلال في 1956م، حيث تخرج منها في العام 1959م. ولظروف وفاة والده، ولأنه كبير الأسرة، عمل بالتعليم بالمدارس الوسطى لعامين، ثم جاءته منحة للدراسة الجامعية بالجامعة الأمريكية ببيروت.
كان للجامعة الأمريكية ببيروت علاقة وثيقة بالسودان خلال فترة الحكم الإنجليزي، خاصة في مجال التعليم، حيث كان يُبتعث إليها المعلمون ومن يُعَدُّون لمهنة التدريس. ومن أبرز خريجيها في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، الزعيم إسماعيل الأزهري أول رئيس وزراء للسودان ورافع علم الاستقلال، وكذلك عوض ساتي الذي شغل لاحقاً وكيل وزارة المعارف وأول سفير للسودان بلندن بعد الاستقلال، ويوسف بدري عميد كلية الأحفاد للبنات، وغيرهم ممن تبوأوا وظائف عليا بسلك الخدمة العامة والتعليم على وجه الخصوص.
شكَّلت بيروت عندما وصلها عثمان السيد مطلع الستينيات مركزاً ثقافياً وسياسياً وفكرياً للمنطقة العربية، وكانت تعج بالسياسيين والمثقفين والمبدعين من مختلف الاتجاهات والتيارات، وبها العديد من دور النشر والمكتبات، ويصدر بها عدد ضخم من الصحف والمجلات والدوريات. ومثَّلت القضايا القومية والصراع من أجل الاستقلال وقضية فلسطين لبَّ ذلك الحراك. وكانت الجامعة الأمريكية في قلب الأحداث ومرآة لكل ذلك الحراك وأحد روافده، تتبدى فيها مظاهر الحركة السياسية والأكاديمية وتفور بالنشاط المتعدد. وتجدر الإشارة إلى أن عثمان السيد لم يكن له انتماءٌ سياسي، إلا أنه بحكم حبه للاطلاع وثقافته الواسعة استفاد من ذلك المناخ الذي ترك أثراً واضحاً على شخصيته، بتنوع مصادر معرفته وتمتعه بعلاقات اجتماعية واسعة. ورغم أنه درس الجغرافيا في مرحلة البكالوريوس، ونظراً لتفوقه الأكاديمي نال منحة لدراسة الماجستير، وأنجز خلالها بحثاً بعنوان: (أثر التعليم في حل مشكلة جنوب السودان).
عاد عثمان السيد إلى السودان في العام 1968م، وبجانب درجة البكالوريوس والماجستير كان يتقن العربية والإنجليزية، حيث عمل لفترة قصيرة بمعهد إعداد المعلمات بأمدرمان. وعند قيام نظام جعفر نميري في مايو 1969م، أُنشئ وقتها ما سُمي بجهاز الرقابة العامة، حيث تقدم للالتحاق بذلك الجهاز. وحتى ذلك الوقت كان الأمن جزءاً من الشرطة يتبع لوزارة الداخلية، وقرر النظام الجديد في 1970م إنشاء جهاز منفصل للأمن. اختير لتأسيسه ورئاسته الرائد/ مامون عوض أبو زيد، أحد ضباط انقلاب مايو، وسُمي جهاز الأمن القومي كجهاز مختص بالأمن الخارجي، بينما ظل الأمن العام تابعاً لوزارة الداخلية كجهاز للأمن الداخلي.
ربما كان للصدفة دورٌ في التحاق عثمان السيد بالجهاز الجديد، وكذلك مؤهلاته الأكاديمية، حيث اختير من قائمة المتقدمين لجهاز الرقابة العامة المختص بالتفتيش والرقابة على الخدمة المدنية ومكافحة الفساد.
في جهاز الأمن
لا يمكن لأي مراقب أو دارس لتجربة جهاز الأمن المعني بالعمل الخارجي أن يغفل أهم سببين لأي نجاح حققه هذا الجهاز منذ تأسيسه في العام 1970م وحتى حله عقب سقوط نظام جعفر النميري في 1985م؛ هما: التنوع في اختيار ضباط الجهاز، والتدريب العالي والمتعدد الذي نالوه. فتكوّن الجهاز من جامعيين (معلمين، إداريين، اقتصاديين، ودبلوماسيين)، ومن ضباط بالقوات المسلحة وضباط بالشرطة، وكانوا جميعهم يتمتعون بمؤهلات عالية، وتجربة عملية ثرية، وانضباط لافت. تم تقوية عودهم، وتطورت تجاربهم بفضل التدريب الخارجي المتنوع؛ من المعسكر الشرقي الاشتراكي في بداية نظام مايو، وانتهاءً بالمعسكر الغربي بعد ذلك، حيث تدربت تلك الكوكبة في الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، ثم بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية، وانتهاءً بإيران أيام الشاه محمد رضا بهلوي.
كفاءات أصبح يشار إليها بالبنان، ضمت -على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى عثمان السيد: عنايت عبد الحميد، جعفر حسن صالح، أحمد الجعلي، كمال عبادي، هاشم أبا سعيد، الفاتح عروة، هاشم أبو رنات، فريد الطيب، عثمان نوري؛ ومن الأمن العام أو الداخلي: عبد الوهاب إبراهيم، كمال حسن أحمد، الفاتح الجيلي، خليفة كرار، خضر الحسن، وغيرهم.
عمل عثمان السيد في بداية التحاقه بجهاز الأمن مديراً لقسم المعلومات، ثم مديراً للمخابرات الخارجية، ولكن التطورات الأمنية عجّلت بنقله إلى بيروت مندوباً للجهاز في لبنان، وكان ذلك في أعقاب عملية الهجوم على السفارة السعودية بالخرطوم، التي نفذتها منظمة أيلول الأسود الفلسطينية خلال حفل وداع القائم بالأعمال الأمريكي بالسودان مطلع مارس 1973م، وظل عثمان السيد في بيروت حتى نهاية 1975م عندما عاد لرئاسة الجهاز مديراً للأمن الخارجي، وبقي فيه حتى حل الجهاز في 1985م.
وكانت بيروت -كما عهدها- ضاجة بالنشاط السياسي، خاصة ما يتعلق بالتنظيمات الفلسطينية، وملجأ للكثير من الأحزاب والسياسيين العرب المعارضين لحكوماتهم، بما في ذلك المعارضة السودانية الهادفة لإسقاط نظام الرئيس جعفر النميري.
تعاقب على رئاسة جهاز الأمن القومي بعد مامون عوض أبو زيد: العميد الرشيد نورالدين لفترة قصيرة، ثم علي عبد الرحمن نميري الذي أحدث نقلة كبيرة في عمل الجهاز، ووضع الأساس المهني له، وأظهر كفاءة عالية في إدارة الجهاز وتطويره وإبعاده عن التدخلات السياسية التي كانت سمة تلك المرحلة، وهو ما أدى إلى استقالته بعد أن رفض توجه بعض مسؤولي حكومة جعفر النميري للقيام بتصفيات جسدية لزعماء المعارضة السودانية بالخارج في أعقاب هجوم قوات المعارضة المدعومة من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، فيما عُرف بحركة يوليو 1976م.
حفلت تلك الفترة بالكثير من الأحداث الأمنية، خاصة ما يتعلق بالأمن الخارجي الذي تسلم عثمان السيد إدارته برتبة “اللواء” وبدرجة وزير دولة تحت قيادة اللواء عمر محمد الطيب مدير الجهاز الذي دُمج مع الأمن العام وأخذ اسم “جهاز أمن الدولة”.
كان الصراع على أشده في أعقاب الحرب الباردة، وبحكم تموضع حكومة جعفر النميري في الحلف الأمريكي، أصبح طبيعياً الاصطدام مع حلفاء المعسكر الشرقي بالمنطقة، وفي مقدمتهم: ليبيا، وإثيوبيا، واليمن الجنوبي. وكانت تشاد مسرحاً للصراع السوداني الليبي على حدود السودان الغربية، وشرقاً احتدم الخلاف مع أديس أبابا على خلفية الحرب في إريتريا، وموقف السودان الداعم لحركات التحرير الإريترية، ولجوء إثيوبيا لدعم متمردي جنوب السودان.
قاد عثمان السيد الأمن الخارجي بمعية كوكبة من الكفاءات النادرة والمنسجمة في الجهاز، وخلق علاقات وثيقة مع كل الفاعلين بدول الجوار، وحقق الجهاز نجاحات كثيرة في تأمين السودان، واكتسب سمعة هائلة كجهاز مهني وكفء، وكان له تأثير كبير على الأحداث والتطورات بكل الدول المجاورة للسودان.
سقط نظام جعفر النميري في أبريل 1985م، ووُضع ضباط جهاز الأمن رهن الاعتقال بسجن كوبر وسط تعبئة عامة من القوى السياسية المعارضة للنميري ضد الجهاز، وتضخيم مبالغ فيه عن سيئات الجهاز وعنفه في تعامله مع المعارضة. وكانت قضية ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل حاضرة بقوة كآخر العمليات التي حُسبت على الرئيس النميري وجهاز أمنه. ولأن الحقائق وتحريات لجنة التحقيق -التي كانت تضم محامين من كافة القوى السياسية: شيوعيين، وبعثيين، وإسلاميين- أكدت أن اللواء عثمان السيد لم يكن مشاركاً في عملية الفلاشا، وأن مدير الجهاز والنائب الأول لرئيس الجمهورية اللواء عمر محمد الطيب تعمد تغييبه عنها، لذلك قُدم عثمان السيد كشاهد في المحاكمة. وبعد انتهاء تلك الفترة وإطلاق سراحه، عاد إلى المملكة العربية السعودية حيث عُين مستشاراً لشؤون القرن الأفريقي للأمير تركي الفيصل مدير المخابرات السعودي آنذاك.
فترة السفارة بأديس أبابا
كان شتاء العام 1991م ساخناً على الحدود السودانية الشرقية، فبعد وصول حكومة الإنقاذ لسدة الحكم في 1989م بدأت معركة كسر العظم بينها وبين نظام منقستو هايلي مريام بإثيوبيا، الذي لم يكتفِ بدعم حركة المتمردين بجنوب السودان، بل بدأ في دعم المعارضين الشماليين لفتح جبهة أخرى للنظام الوليد على حدوده الشرقية، وكان التسابق بين النظامين في مَنْ منهما سيقضي أولاً على خصمه.
وفي منتصف مايو من ذلك العام كانت كتائب الثوار التغراي والإريتريين تحاصر أديس أبابا وأسمرا، وبدأت عملية “حجاب” التي وضعها الفاتح عروة والهادفة إلى إسقاط نظام منقستو تقترب من نهايتها، حينها استدعت رئاسة الجمهورية عثمان السيد من السعودية وبعثت به مع الفاتح عروة إلى المؤتمر الذي نظمته الإدارة الأمريكية بلندن بإشراف هيرمان كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية لوضع اللمسات الأخيرة والترتيبات الضرورية لانتقال السلطة في إثيوبيا وإريتريا، ثم اختير بعد دخول الثوار لأديس أبابا سفيراً للسودان وممثله بمنظمة الوحدة الأفريقية آنذاك؛ لمعرفته الطويلة بالقرن الأفريقي وعلاقاته الوثيقة بكل التنظيمات والقيادات الفاعلة فيه، وأولهم قادة الثوار الجدد، وهي علاقة بدأت منذ أوائل السبعينيات ببيروت، ثم تواصلت إبان إدارته للأمن الخارجي بين منتصف السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وتواصله معهم حتى وهو بالسعودية، حيث مثل حلقة وصل بين حركات الثورة في إثيوبيا وإريتريا والسلطات السعودية.
وبالفعل، إضافة إلى خبرته الطويلة ومعرفته المتجذرة بالمنطقة، أفادته العلاقة الوثيقة والشخصية بقيادات الثوار، خاصة رئيس الوزراء ملس زيناوي ووزير خارجيته سيوم مسفن، في تقديم واحدة من أنجح تجارب العمل الدبلوماسي للسودان استمرت لأربعة عشر عاماً، حيث نجح السفير عثمان في طي الكثير من العقبات وترقية العلاقات بين البلدين لمراحل لم تصلها لا قبل ذلك ولا بعده، أصبح التنسيق بين البلدين في أعلى قمته في كل المحافل الدولية، وجرى التنسيق بين الولايات والأقاليم على طرفي الحدود باجتماعات راتبة، وهدأت الخلافات الحدودية، وتسهلت حركة العبور للأشخاص والسلع، ونُفذ مشروع الربط الشبكي للإمداد الكهربائي للسودان من إثيوبيا، وتزودت إثيوبيا بالوقود السوداني عبر الطريق البري الذي تمت سفلتته.
كانت مجهودات السفير عثمان وراء كل النجاحات التي تحققت، ساعده في ذلك الثقة العالية للقيادة الإثيوبية فيه، لم يكن يمر شهر دون لقاء رئيس الوزراء، وأصبحت تقاريره الراتبة عن تلك اللقاءات تبتدئ بـ: “استقبلني اليوم رئيس الوزراء ملس زيناوي بحضور مدير مكتبه مولقيتا ألم سيد”.
كانت تقاريره الغزيرة والمتنوعة تدعو للإعجاب، ساعده إتقان اللغتين العربية والإنجليزية في جعل التقارير تنبض بالحياة وتضعك في قلب الحدث في شمولها ودقة تعابيرها والملاحظات التي يبديها عن الموضوع أو المتحدث، والبراعة في ربط أجزائها وإيراد التفاصيل وسبكها بالخلفيات والأحداث السابقة، ومن ثم استخلاص التوصيات.
عُرف عنه أنه يمكث طويلاً بمكتبه إلى ساعات متأخرة من الليل، خاصة عند اشتداد الأزمات وما أكثرها. كان عمله يتعدى إثيوبيا بمتابعة أحداث كل القرن الأفريقي، وكانت أديس أبابا باحتضانها لمقر الاتحاد الأفريقي مركزاً مهماً يعج بالمؤتمرات ولجان التفاوض واجتماعات حل النزاعات سواء في السودان أو الصومال أو دول البحيرات الأفريقية، يتابع كل ذلك ويجمع المعلومات ويلتقي الزوار والمصادر، لا يمل ولا يكل في التنبيه لما يراه من أخطار، يصيغ كل ذلك في تقارير لا تترك شاردة ولا واردة، ولا ينسى أن يطرزها بالشواهد والاقتباسات من الأمثال والشعر، وما زلت أذكر له تقريراً يحذر من مخطط يستهدف مدينة كسلا مطلع نوفمبر 2000م إبان الصراع مع الحكومة الإريترية وحشدها لبعض قوات المعارضة السودانية وتدريبها قرب الحدود تجاه كسلا، وبعد إيراده للشواهد والمعلومات عن الاستهداف وتاريخه الدقيق ختم تقريره بـ: “أدركوا كسلا التي قال عنها الشاعر إسحاق الحلنقي:
“حبيت عشانك كسلا خليت دياري عشانك
واخترت أرض التاكا الشاربة من ريحانها
كلمني وقول لي فاكر ليالي القاش
لمن الحنين عاودني بعطفك الجياش”.
وبالفعل لم تمضِ أيام على هذا التقرير وإلا كانت القوات الإريترية مع فصائل المعارضة السودانية تستبيح مدينة كسلا!
طوَّع السفير عثمان علاقته المتينة مع قادة إثيوبيا لمصلحة السودان، ولم يكن يمضي شهر إلا وتكون هناك فعاليات أو زيارات سياسية أو فنية أو رياضية أو اقتصادية بين البلدين.
كانت أديس أبابا تعج بالوفود والزوار القاصدين العاصمة الإثيوبية أو العابرين، وازدادت حركة السودانيين من رجال أعمال وشركات يجدون جميعاً كرم الضيافة من السفير وأسرته وطاقم سفارته، كانت مائدة طعامه منصوبة يومياً للضيوف والعاملين معه، وكان احترام وتقدير القيادة الإثيوبية له يتجاوز أي علاقة لسفير بالدولة المعتمد إليها، لم يكن وزير الخارجية الإثيوبي سيوم مسفن يستقبل السفير السوداني بمكتبه، كان يأتي له دائماً بمنزله الملحق بمبنى السفارة.
أذكر بعد أن انتهت فترة السفير بأديس أبابا في 2005م، دُعي في العام اللاحق لاحتفال جبهة تحرير التيغراي بذكرى تأسيسها بعاصمة الإقليم (مكلي)، وقبل توجهه إلى هناك اتصل به خليفة الشيخ الكباشي أحد كبار مشايخ الطرق الصوفية بشمال الخرطوم طالباً منه المساعدة في حل مشكلة أحد أبنائهم اعتُقل وصُودر منه مبلغ ضخم بالدولار الأمريكي كان عابراً به من الخرطوم إلى الصين عبر الخطوط الإثيوبية ولم يُعلن عنه لسلطات الجمارك الإثيوبية، لجأوا للسفير عثمان السيد بعد أن فشلت كل مساعيهم في رد المبلغ أو إطلاق سراح صاحبه، وبالفعل وعلى دعوة الغداء التي أعقبت الاحتفال جلس السفير بجانب صاحبه سيوم مسفن وزير الخارجية، وكان أيضاً رئيس مجلس إدارة الخطوط الجوية الإثيوبية وطلب منه حل المشكلة، فما كان من سيوم عندما لم يجد ورقة أمامه إلا أن يكتب توجيهه على “علبة سجائر” فارغة قادت لإطلاق سراح الشاب السوداني ورد أمواله، ولم يتأخر خليفة الكباشي في إقامة احتفال كبير للسفير عند عودته للسودان!
لم تكتفِ الحكومة الإثيوبية بحفلات وداع السفير التقليدية والتي كان آخرها بفندق هيلتون بأديس أبابا بحضور وزير الخارجية سيوم مسفن، بل نظمت له ثلاثة رحلات لثلاث من الأقاليم الإثيوبية طلب مسؤوليها بالمشاركة في وداع السفير، وكان من حسن حظي أن صحبته إلى كل من: (مكلي) عاصمة إقليم التيغراي في الشمال، وبحر دار عاصمة الأمهرا في الغرب، وأواسا عاصمة إقليم الجنوب، كانت زيارات أظهرت الأثر الذي أحدثه السفير وسط الإثيوپيين والثقة والاحترام اللتين اكتسبهما بعد 14 عاماً في عاصمة بلادهم.
الصبر على الابتلاء
كانت لدى السفير عثمان السيد قدرة كبيرة على الصبر على الابتلاء، في العام 1985م سقط نظام النميري وأُقتيد هو وجميع ضباط جهاز الأمن من مكاتبهم إلى سجن كوبر دون تهمة محددة، وقضى شهوراً في الحبس إلى أن أُطلق سراحه وغادر إلى المملكة العربية السعودية.
وفي العام 2003م اختطف المنون ابنه الوحيد المهندس سيد في حادث حركة بمدينة أم درمان، وبعدها بسنوات وأيضاً في حادث حركة بطريق الخرطوم-الأبيض توفي حفيده ابن سيد ووالدته، وقابل السفير كل ذلك بصبر عجيب وإيمان عالٍ بإرادة الله.
وحين اندلعت الحرب الأخيرة واستُبيحت العاصمة الخرطوم واضطر الملايين من سكانها لمغادرتها والنزوح داخل السودان واللجوء خارجه، رفض السفير عثمان السيد المغادرة وظل مقيماً بداره بمدينة النيل بأم درمان وهو قد تجاوز الثمانين عاماً وفي أمسّ الحاجة للعلاج والرعاية، ولم تفلح توسلات كل معارفه في تغيير رأيه حتى حدثت وفاته في 12 مايو 2025م.
وهكذا هو السفير عثمان السيد يقدّم النموذج ويعطي الدروس لآخر يوم من حياته: طاقة لا تهدأ وإحساس عالٍ بالمسؤولية، فبعد تقاعده من العمل بوزارة الخارجية وعودته من أديس أبابا لم يركن لحياة المتقاعدين، بل تسلَّم قيادة مركز دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، وظل على رئاسته حتى 2019م، وكان من أكثر مراكز الدراسات والأبحاث نشاطاً وإنتاجاً، وظل هو في حركة دائبة يشرف على عمل المركز وإصداراته من بحوث ومجلات منشورة وتقارير لأجهزة الدولة، كما كان دائم الوجود بالمنتديات والمؤتمرات واللقاءات الإعلامية، تساعده في ذلك ما حباه الله به من ذاكرة متقدة تحفظ الأشخاص والأحداث والتواريخ، وحتى بعد تقاعده عن المركز نشط في تدوين وكتابة مذكراته التي نأمل أن تتمكن أسرته من نشرها لتعم الفائدة منها وتكون علماً نافعاً للأجيال القادمة وللتاريخ.
إن الحديث عن السفير عثمان السيد ليطول، ولا يمكننا أن نختم هذه المقالة دون الإشارة إلى أبرز صفاته: الكرم والوفاء، كان كريماً يبذل ما في يده ولا يبالي، لم يكن يكترث لكنز الأموال أو تأمين المعاش، ورحل وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، كما كان وفاؤه لكل من عرفه أو تعامل معه نادراً، كان يهتم بشؤون الجميع ويحرص على التواصل معهم: أهله بمدينة الأبيض خاصة حي القبة، ودُفعته بـ”خورطقت” الثانوية، والجامعة الأمريكية ببيروت، وزملاؤه بجهاز الأمن ووزارة الخارجية صغيرهم وكبيرهم، وجيرانه وكل من يعرفه، يتفقد أحوالهم ويسأل عن أسرهم وأطفالهم، ويسعى لحل مشاكل من يعرف ومن لا يعرف.
رحمه الله برحمته الواسعة، بذل كل ما يملك وظل شجاعاً في قول الحق، عفيفاً عند المغنم، وكثيراً ما كان يردد أبيات أبي العتاهية:
تَعَالَى اللهُ يَا سَلْمَي بْنُ عَمْرٍو * أَذَلَّ الحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ
هِبِ الدُّنْيَا تُسَاقُ إِلَيْكَ عَفْواً * أَلَيْسَ مَصِيرُ ذَلِكَ لِلزَّوَالِ
رحمه الله تعالى بأكثر مما قدم لبلده ولأهله ولمعارفه، وجعل البركة في بناته وأحفاده وأهله وتلاميذه، اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.

Exit mobile version