مدينة كسلا: بين قطوعات الكهرباء وحلول الطاقة الشمسية

منذ أغسطس 2023، لا تَزالُ كهرباءُ مدينة كسلا، تشهد تذبذباً واضحاً، زادت من وطأته موجات النزوح المختلفة على المدينة، واستقبالها أعداداً إضافية من الأسر، إضافةً إلى شُحِّ غاز الطبخ وهو ما دفع كثيراً من الأسر إلى اللُّجوء إلى استخدام مواقد وسخانات تعمل بالكهرباء، فضلاً عن حركة الإعمار المُفاجئة، ما تسبَّب في زيادة الأحمال وتذبذب الإمداد الكهربائي، بحسب تصريح مصدر مسؤول بمكتب كهرباء ولاية كسلا، تحدّث لـ«أتَـر» مفضّلاً حجب اسمه، ونفى أن يكون القصور في التوليد الكهربائي هو العلة الوحيدة، وإنما تُضاف إليه زيادة الأحمال والأعطال الفنية التي تحدث من حين إلى آخر، إذ يستقبل المكتب 28 بلاغاً في اليوم الواحد على الأقل.كلّ هذا، دفع مواطني كسلا للاستعاضة عن شبكة الكهرباء القومية بوحدات الطاقة الشمسية، في نطاق واسع من المدينة. وقد لاحظ مراسل «أتَـر»، أثناء تجواله في سوق كسلا وخارجه مشهد حاملات ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المباني والمحلات التجارية، وهي تُقابل أشعة الشمس طوال ساعات النهار، والمُولّدات الصغيرة أمام أبواب الصيدليات والعيادات الخاصة والشّقق الفندقية تحسُّباً لأي انقطاع في الكهرباء.

في حديثه لـ«أتَـر»، يقول المهندس عبد الله أحمد ميرغني، وهو مُدير إحدى الشركات التي تعمل في مجال الطاقة الشمسية، إنّ مواطني كسلا لم يتعاملوا مع الطاقة الشمسية في بداية الأمر، إلا فئة قليلة منهم، ما دفع شركته في البداية إلى العمل مع مؤسسات حكومية وخلق شراكات، منها توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة كسلا في البحث العلمي والتطوير والزراعة، قبل الشروع في مرحلة التسويق والبيع.

وأضاف أنّ بداية الفعلية لانتشار وحدات الطاقة الشمسية في كسلا، كانت في يناير 2025 عبر تركيب منظومات طاقة شمسية خارج المدينة لضمان تشغيل العيادات والمراكز الصحية أو محطات المياه، لافتاً إلى أنّ سكان مدينة الخرطوم الذين نزحوا إلى كسلا كان لهم دَور كبير في تعريف المواطنين بالطاقة الشمسية.

وعادةَ ما يكون الطلب على شراء وحدات الطاقة الشمسية عالياً بين شهري يوليو ونوفمبر. ويُرجع ميرغني ذلك إلى خروج كهرباء الشبكة عن الخدمة باستمرار في تلك الشهور من السنة، بخاصة في مواسم الرياح والأمطار، التي تُلحِقُ الضرر بأسلاك الكهرباء، فضلاً عن قطعها على نحو وقائي عند هطول الأمطار الكثيفة أو عندما تكون هناك صواعق أو رياح قوية.

أما في رمضان، فيقول ميرغني إنّ الطلب زاد على ما سبق من أشهر السنة، ولكشّافات الكهرباء التي تعمل بالطاقة الشمسية نصيب أكبر، وذلك لاستخداماتها المتعدّدة في ملاعب كرة القدم بالأحياء وداخل المنازل عند انقطاع الكهرباء؛ ويُلاحظ أنّ أكثر المستفيدين من خدمات شركته حالياً هم مواطنون إضافةً إلى المؤسّسات الخاصة والحكومية والمنظمات.

وشهدت أسعار وحدات الطاقة الشمسية ارتفاعاً في الآونة الأخيرة، يعزوه ميرغني إلى ارتفاع سعر الألمنيوم عالمياً، نتيجة لفرض الرئيس الأمريكي ترمب ضريبة استيراد على المعدن، الذي لا يُستغنى عنه في أنظمة الطاقة الشمسية، إذ يُستخدم في هياكل التثبيت وأغلفة المحوّلات، وذلك لأنه يمتاز بخفّة الوزن والمتانة ومقاومة التآكُل. ووصلت تكلفة شراء وتركيب وحدة طاقة شمسية في كسلا حالياً، إلى 3,500,000 جنيه سوداني، مقارنةً بـ 2,800,000 جنيه سوداني خلال الأشهر القليلة الماضية، لمنزل به ثلاجة 12 قدماً، ومكيّف موية، ومروحتان، وشاشة، و4 لمبات إنارة، وفقاً لحساب الأحمال واختيار منظومة طاقة شمسية بضمان 3 سنوات تحتوي على 3 ألواح 590 واط، جهاز محول 2 كيلو، بطارية واحدة 200 أمبير، وتعمل من 6 إلى 10 ساعات. وبحسب مندوبة مبيعات أنظمة طاقة شمسية تعمل في كسلا، وتحدّثت لمراسل «أتَـر»، فإنّ التكلفة قد ترتفع إلى ما بين 7 و10 ملايين جنيه للمؤسسات ذات الحمولات الأكبر، بحسب جودة البطاريات.

بينما يصل سعر المولد الكهربائي 5 كيلو واط إلى 3,600,000 جنيه و9 كيلو واط إلى 5,000,000 جنيه، ويعمل بكفاءة تصل إلى ما بين 8 و10 ساعات متواصلة لتشغيل نفس الأدوات الكهربائية المذكورة أعلاه، لكنه بطبيعة الحال يحتاج إلى الجازولين أو البنزين. ويبلغ سعر جالون الجازولين في كسلا 18,500 جنيه، وجالون البنزين 19,800 جنيه سوداني، ويُشغّل الجالون الواحد مولّداً بقدرة 5 كيلوواط لمدة تتراوح بين 3 و5 ساعات اعتماداً على كفاءة المولد والحمل الكهربائي.

متحدّثاً لـ«أتَـر» وهو يُمسك مقصّاً بيده اليمنى يقول إبراهيم، ويَعمل ترزياً بشمال الحلنقة، إنّ انقطاع الكهرباء بنحو مستمر يُؤثّر على طبيعة عمله اليومي، ما يَجعلُه يبقى بالمحلّ حتى ساعات مُتأخّرة من الليل لتعويض عمله الذي لم يكتمل بسبب تذبذب الكهرباء نهاراً.

كان إبراهيم يَمتلك وحدة طاقة شمسية بمواصفات (لوح واحد وجهاز محول وبطارية 100 أمبير جافة)، وكان قد اشتراها بسبب موجة قطوعات الكهرباء في مطلع 2025 التي كانت تصل إلى 12 ساعة خلال اليوم، لكن بعد مرور 6 أشهر واستقرار الكهرباء النسبي، قلّت كفاءة البطارية وأهملها حتى أصبحت لا تعمل، ويعود السبب إلى أنّ البطاريات تقوم بعملية تُسمّى «التفريغ الذاتي» عندما لا تكون قيد الاستخدام، إذ تفقد شحنتها تدريجياً بمرور الوقت إضافة إلى تأثير درجة الحرارة العالية عليها.

يقول إبراهيم إنّ امتلاك منظومة طاقة شمسية بمواصفات عالية أصبح صعباً في هذه الفترة لعدة أسباب، أوّلها الأسعار العالية مقارنةً بالأسعار في ما مضى، والسبب الآخر هو أنّ الأولوية لديه ليست لامتلاك مصدر طاقة بديل في الوقت الحالي وإنما لتجهيزات العيد، إذ يعمل على توفير أنواع جديدة من الأقمشة وتشكيلات الملابس.

يسكن آدم محمد، وزوجته وأطفاله الثلاثة حي بانت بمدينة كسلا، وبسبب موجة من انقطاعات الكهرباء غير المُنتظمة التي تَحدث نتيجة لأعطال فنية وأحياناً لأسباب غير معروفة؛ لجأ في أواخر العام 2025 إلى شراء منظومة طاقة شمسية مُتكاملة لتشغيل المراوح والإضاءة بالمنزل خلال فترات انقطاع الكهرباء خاصةً في ساعات الليل. يقول آدم، إنّ ثلاثة ألواح وجهاز محوّل وبطاريتين 200 أمبير خيار ممتاز لإمداده بطاقة كهربائية من 6 إلى 10 ساعات متواصلة، وعندما يجري شحن البطاريات، تتغيّر هذه القدرة حسب كفاءة البطارية والأحمال. وأعرب آدم في حديثه لـ«أتَـر»، عن مدى رضاه عن منظومة الطاقة الشمسية، وأنّ منافعها عديدة كشحن الهواتف وإضاءة المنزل ليلاً، مشيراً إلى التزايد الملحوظ في الأسعار منذ نوفمبر 2025.

ويفكّر آدم في تغيير المنظومة خلال الفترة المقبلة حتى يتمكّن من تشغيل عدد أكبر من الأجهزة الكهربائية والحصول على عدد ساعات أطول.

وبحكم اهتمامه بموضوع البيئة والتلوّث، يخشى المهندس عبد الله ميرغني، من تأثيرات وحدات الطاقة الشمسية على بيئة المدينة من خطر التلوّث على الرغم من تداول الحديث عن أنها طاقة نظيفة، مُخبراً «أتَـر» بأنّ البطارية الواحدة بإمكانها تلويث كيلومتر مربع، وتساءل حول كيفية التخلّص من ألواح الطاقة الشمسية، وهي بطبيعة الحال تحتوي على كميات من السيليكون والزجاج، بينما لا يوجد مكبّ خاص لمثل هذه المُخلَّفات.

وفي إطار جهوده المُستمرَّة لإيجاد حلول، جمعته عدة لقاءات بمؤسسات حكومية من بينها الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، للمساهمة في حماية المستهلك والبيئة وإلزام محلات بيع الطاقة الشمسية غير المُتخصّصة بوجود مهندس، إضافة إلى تخصيص مكبٍّ وإنشاء مكتب هندسي لاستلام الشكاوى. وفي سبيل الحفاظ على بيئة المدينة، بدأ ميرغني بشركته، التي تضمّ فريقاً متكاملاً، بتوعية العميل بالمُنتَج نفسه، وإعطائه مساحة للاختيار.

Exit mobile version