صدّعنا الأحباب في صمود/تأسيس تصديعاً بأمر امتحانات الشهادة الثانوية السودانية وحق طلاب دارفور في الجلوس لها، وذرفوا في هذا المنحى دمعاً مدرارا.
وقد رأيت ملصقاً تم إرساله عبر مضخات السوشيال ميديا بغرض التعبئة والتحشيد لصالح (القضية)، يظهر فيه طفل من أبناء اقليم دارفور في حوالي السادسة من عمره جالساً على الأرض حزيناً يبكي، بسبب حرمانه من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية. غير أن الملصق لم يُحدث الأثر المرتجى في نفسي لكونه صناعة إعلامية رديئة، ذلك ان من يكملون المرحلة الثانوية يكونون من بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشر والعشرين، ويمتنع عقلاً ان يؤدي طفل، سواء في دارفور أو غيرها، امتحان الشهادة الثانوية في عمر السادسة، ناهيك عن أن يجلس على البطحاء حزيناً باكياً بسبب حرمانه من أدائها!
انتقل الأحباب من جماعة صمود/ تأسيس نقلة نوعية مقدرة من تسفيه خطوات الحكومة بعقد الامتحانات عندما تم الإعلان عنها في العام ٢٠٢٤ ووصفها بأنها مجرد محاولات يائسة لإقناع العالم بأن الأحوال في السودان مستقرة وطبيعية، الى القبول بالأمر الواقع والاعتراف بسيطرة الدولة وقدرة اجهزتها على تنظيم الامتحانات وعقدها في موعدها.
مؤخراً قام هؤلاء بركن عنقريب الجنازة على الحائط و”فتحوا البكاء” حول مأساة طلاب دارفور الذين استثنتهم وعزلتهم حكومة الجلابة ودولة ٥٦، وأضاعت مستقبلهم. ومن ثمّ شرعوا في بناء سردية جديدة عن المظالم والتهميش إلى آخر المعزوفة المعلومة .
أقيمت المناحة وتصاعد العويل رغم ان هؤلاء يعلمون علماً نافياً للجهالة ان قوات الدعم السريع هي التي تمنع عقد الامتحانات في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، وأن غالبية الشباب من الذكور فوق سن السابعة عشر في تلك المناطق تم حشدهم وشحنهم لمناطق العمليات الحربية، وفي عقيدة هؤلاء ان القتال من أجل “القضية” مقدم على التعليم المدرسي. بل أن أول ما قامت به قوات الدعم السريع عند سيطرتها على دارفور كان هو إغلاق المدارس الثانوية والمتوسطة في إطار التجنيد الإجباري تحت إشراف نظار وزعماء القبائل.
وفي علم الكافة أن قوات الدعم السريع كانت قد رفضت عام ٢٠٢٤ مساعى اليونيسيف للمساعدة في ترتيب أمر الامتحانات بالتنسيق مع “حكومة بورتسودان” كما كانت تسميها، قبل ان يبدل جماعتها في صمود/تأسيس موقفهم فيعترفون بها ويحتجون عليها بأنها تقاعست عن عقد الامتحانات في مناطق سيطرة حكومتهم الفضائية!
مؤخراً أتى بعض أنصار صمود/تأسيس بمبادرة تطرح خزعبلة ما يسمى بالمسارات الآمنة، أي أن تسمح قوات الدعم السريع لوزارة التربية والتعليم بإرسال كوادرها من المعلمين والمراقبين والإداريين إلى مناطق سيطرتها لكي تشرف على الامتحانات. سبحان الله، وأين تجد وزارة التربية والتعليم معلمين يوافقون بكامل قواهم العقلية على الدخول إلى مناطق سيطرة “الأشاوس” و”الشفشافة”، وهم على علمٍ تام بما حدث لمن سبقوهم من المعلمين والطلاب الذين قتلهم جنود الدعم السريع بدمٍ بارد في سنواتٍ سابقة عندما تجرأوا على مخالفة أوامر منع الإمتحانات، فتلك أماكن الخيارات فيها محدودة فإما القتل وإما الشفشفة!
لكن السؤال الذي يطرق على رأسي بإلحاح ويحيرني حقاً هو: لماذا يريد أنصار الدعم السريع – الذين يهرجون ويمرجون بسبب ما يزعمون انه تمييز حكومة الجعليين والشايقية ضد أبناء دارفور – لطلابهم الأشاوس الخضوع للنظام التربوي والتعليمي الخاص بدولة ٥٦ الذي صنعه الجلابة، بعد أن حملوا السلاح وتمردوا عليه وثاروا ضده؟! لماذا لا تضع حكومتهم المسماة تأسيس هياكل تعليم ونظم امتحانات جديدة تعكس الواقع الذي صنعته لهم ثورة آل دقلو؟!