عاد الفنان السوداني المبدع محمد نعيم سعد إلى دائرة الضوء، حاملاً معه رصيده الكبير من الفرح الذي ظل يقدمه للشعب السوداني عبر سنوات طويلة من العطاء الفني. فاسم “السعد” في اللغة يعني الفرح والسعادة، وربما لم يكن هناك من يجسد هذا المعنى كما فعل محمد نعيم، الذي ظل حضوره دائماً مصدراً للبهجة والطاقة الإيجابية لكل من حوله.
عرفته عن قرب صديقاً وأستاذاً، وكانت كل لحظة بجواره مفعمة بالمرح والذكاء وروح الدعابة. كان أشبه بمغناطيس يجذب الفرح ويطرد الحزن، لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، حتى في أصعب المواقف.
في إحدى المرات، وجدت نفسي محامياً أسعى لإطلاق سراحه بعد أن وجهت له حكومة الرئيس السابق عمر البشير في تسعينيات القرن الماضي تهمة التجسس والتآمر على الدولة، فقط لأنه امتلك طبق استقبال فضائي “دِش”. آنذاك كانت السلطات قد بدأت حملة تفتيش للمنازل باستخدام المروحيات. حذرني أحد ضباط الشرطة من أن القضية خطيرة ولا أمل في إطلاق سراحه. لكن عندما التقيته في محبسه وجدته يضحك من التهمة قائلاً بروحه الساخرة:
“أها يا أفوكاتو… حتعمل شنو؟ ما عندك حل… إعدام إعدام!”
هذه الروح المرحة كانت جزءاً أصيلاً من شخصيته. ذات مرة زرت منزله فوجدت ابنه الصغير جمال، الذي لم يتجاوز عاميه، يجلس أمام المنزل يأكل من كومة رمل. ففزعت وحملته إلى الداخل مطالباً بضرورة إحضار طبيب فوراً. استيقظ محمد نعيم من نومه وقال بهدوء:
“يا زول بتكورك في شنو؟ الولد دا أصلاً بياكل رمله من ولدوه.”
ثم أخذني إلى خارج المنزل وأشار إلى كومة الرمل قائلاً:
“الكوم الصغير دا كان قلاب كبير… أنا جبتو ليهو هنا عشان ياكلو. بكرة بمشي أجيب ليهو قلاب تاني.”
وعاد بعدها إلى نومه وكأن شيئاً لم يحدث.
حتى في لحظات القلق، كانت دعابته حاضرة. ففي إحدى الليالي، كنت قلقاً بسبب تأخري في تنفيذ عمل تلفزيوني اتفقت عليه مع إدارة المرور بمناسبة يوم المرور العربي. وبينما كنا نائمين في منزله، مرت سيارات الشرطة في الشارع بأصوات أبواقها المرتفعة، فاستيقظ محمد نعيم فجأة وأيقظني وهو يصرخ مازحاً:
“سجمك… جوك! قوم شوف ليك حتة تتدسى فيها!”
لم تكن الفكاهة عند محمد نعيم مجرد أداء تمثيلي، بل كانت جزءاً من حياته اليومية. فهي عفوية وطبيعية، بعيدة عن التكلف والتصنع. يتمتع بخيال واسع وقدرة دائمة على الابتكار والتفكير، وهو من أكثر الفنانين إخلاصاً لفنه.
وقد أدهش محمد نعيم الجمهور السوداني مرات عديدة، ليس فقط بتمثيله الكوميدي العذب، بل أيضاً بإبداعه في الإخراج. ففي سلسلة “متاعب” قدم أسلوباً جديداً أسهم في تأسيس مدرسة مميزة في الكوميديا التلفزيونية، بالتعاون مع زملائه، من خلال تقعيد الأداء الفكاهي وتوظيف الموسيقى التصويرية بشكل لافت. كما حقق نجاحات كبيرة في الإخراج المسرحي.
ظل محمد نعيم سعد أيقونة فنية مفعمة بالفرح، منحها الله للشعب السوداني كهدية مضيئة في زمن يحتاج فيه الناس إلى الابتسامة. قدم عشرات الأعمال التلفزيونية والمسرحية بإخلاص وموهبة نادرة.
وكان من حسن حظه أن وقفت إلى جانبه دائماً زوجته المبدعة رحاب عبدالرحيم الكرار، التي مثلت نموذجاً للمرأة الداعمة، إلى جانب أبنائه وبناته المبدعين. كما كان صديقه الفنان مصطفى أحمد الخليفة ورفاقه في فرقة الأصدقاء سنداً إبداعياً مهماً في مسيرته الفنية.
اليوم، يظل الأمل كبيراً في عودة هذا الفنان الكبير إلى ساحة الإبداع. فالسودان لا يزال بحاجة إلى فنه وابتسامته.
انهض يا صديقي شامخاً… فما قدمته حتى الآن ليس سوى جزء يسير مما تختزنه موهبتك. نحن، أصدقاءك ومحبوك، في انتظار عودتك إلى خشبة المسرح وشاشة التلفزيون، لتواصل إشعال منارات الفرح في قلوب الناس.