محمد جوار يوجّه رسالة نقدية للفنان طه سليمان: العالمية تبدأ من المحلية
Mazin
الاحداث – ماجدة حسن أكد الموسيقار محمد جوار أن الغناء ليس مجرد كلمة ولحن وصوت جميل، بل هو تعبير متكامل عن ثقافة الشعوب والمجتمعات، بما تحمله من لغة وعادات وتقاليد ومقامات وإيقاعات موسيقية. وأوضح أن اختلاف البيئات الإنسانية أفرز أشكالًا غنائية متعددة، لكل مجتمع خصوصيته الفنية التي تعكس هويته الثقافية، سواء في الأغنية الخليجية أو المصرية أو الهندية أو الإثيوبية أو الغربية وغيرها. وأشار إلى أن جميع هذه التجارب الغنائية، رغم تباينها، تتفق في هدف أساسي يتمثل في تقديم أجمل ما في مجتمعاتها من قيم إنسانية وجمالية وفنية، بما يعكس صورتها الحضارية أمام الآخرين. وقال جوار إنه تردد كثيرًا قبل الحديث في هذا الموضوع في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان من حرب ونزوح ولجوء، إلا أن ما شاهده دفعه إلى إبداء رأيه باعتباره أحد المهتمين بالشأن الفني والثقافي. وتحدث عن مدينة بحري بوصفها واحدة من أهم الحواضن الثقافية والفنية في السودان، مشيرًا إلى أنها أنجبت عددًا كبيرًا من نجوم الغناء الذين تركوا بصماتهم في الوجدان السوداني، من بينهم عبدالعظيم حركة، وأبو داؤود، وصلاح بن البادية، والطيب آدم، وخوجلي عثمان، وخضر بشير، ومحمود عبدالعزيز، والنور الجيلاني، وفرفور وغيرهم. كما خصّ منطقة شمبات بالإشادة، واصفًا إياها بأنها منارة ثقافية وفنية ظل عطاؤها متدفقًا عبر العقود، بفضل مجتمعها المترابط واحترامها العميق للمبدعين والجمهور على حد سواء. وفي رسالته إلى الفنان طه سليمان، أوضح جوار أنه تابع الحفل الذي أقامه بالقاهرة، وكان حريصًا على مشاهدة جزء منه، مبينًا أنه كان لديه بعض التحفظات على الشكل الذي ظهر به الفنان خلال الحفل الأول، لكنه فوجئ بما رآه في الحفل الثاني. وأكد أن حديثه لا ينطلق من دوافع سياسية، ولا من منطلق التمجيد أو التشويه، وإنما من زاوية فنية وثقافية بحتة. وأضاف أن الفنان خارج بلاده يصبح سفيرًا لثقافة وطنه، وعليه مسؤولية تقديم صورة تعكس هوية المجتمع الذي ينتمي إليه. وحدد عددًا من المرتكزات التي يرى أهمية الالتزام بها، من بينها التعبير السليم عن الثقافة السودانية في المظهر والسلوك والأداء، واختيار أعمال غنائية ذات قيمة فنية وموضوعية تليق بصورة السودان وجالياته في الخارج، إضافة إلى احترام عادات وتقاليد البلد المضيف. وعلى المستوى الفني، دعا إلى التركيز على الأعمال الجماهيرية الراقية، والاهتمام بالمظهر المنظم للفرقة الموسيقية والعروض المصاحبة، بما يعكس صورة حضارية للفن السوداني، مشيرًا إلى أن الحفلات الخارجية ليست مجرد مناسبات ترفيهية، بل منصات للتبادل الثقافي والحضاري. واستعرض جوار جانبًا من تاريخ الأغنية السودانية، موضحًا أن الفنانين في بدايات الغناء الحديث كانوا يواجهون نظرة اجتماعية سلبية، قبل أن يسهم رواد الفن السوداني، وعلى رأسهم أحمد المصطفى ورفاقه، في ترسيخ مكانة الفنان واحترامه داخل المجتمع من خلال الارتقاء بالكلمة والرسالة الفنية. وشدد على أن المجتمع السوداني اليوم في حاجة إلى فن يسهم في ترميم ما أفسدته الحرب، ويعزز القيم النبيلة، ويرسم صورة مشرقة للإنسان السوداني، خاصة المرأة السودانية التي تغنى بها الفنانون الكبار في أعمال خلدتها الذاكرة الشعبية. وأكد احترامه لطموح طه سليمان وسعيه الدؤوب إلى تطوير تجربته الفنية والوصول إلى العالمية، لكنه أشار إلى أن الطريق إلى العالمية يبدأ من التمسك بالهوية المحلية، لا من خلال تقليد ثقافات الآخرين في الأداء أو الشكل أو الاستعراض. وأضاف أن العديد من التجارب الفنية الأفريقية حققت نجاحًا عالميًا عندما انطلقت من خصوصيتها الثقافية المحلية وقدمتها للعالم بثقة واعتزاز. واختتم جوار حديثه بالقول إنه يرى أن طه سليمان لم يكن موفقًا في هذا العرض تحديدًا، معتبرًا أن بعض المشاهد والاستعراضات والملابس المصاحبة للحفل لا تعبر عن صورة المرأة السودانية ولا عن قيم المجتمع السوداني بمختلف مكوناته، مؤكدًا أن النقد الصادق يظل ضرورة لتصحيح المسار وتطوير التجربة الفنية. وختم حديثه بعبارة: “العِثرة تُصلح المشية”، متمنيًا للفنان طه سليمان التوفيق والنجاح في مسيرته الفنية المقبلة.