إبراهيم احمد الحسن (1) قرأت لأحلام مستغانمي بوست يطرح سؤالاً رقيقاً ذكياً وشفيف : ( في هذا العالم الجميل . أيّهما يرافق الآخر . . الموسيقى أم العصافير ؟) طربت للسؤال فالعالم الجميل عندي يمثل حياة بلياليها المقمرة ونهاراتها المشمسة ، بحدائقها الغناء التي عشتها وفرقتي الموسيقية تعزف فيه ألحان العصافير . (2) قاعة الصداقة بهرجها ،، ثرياتها وضجيجها .. همهمات ضيوفها وضحكاتهم و انغام بعيدة لموسيقي وعازف فنان يضبط أوتار الكمان علي وقع الأُغنية القادمة ترتج الاصوات و تختلط كلٍ يخرج بمساره تلتقطه الآذان .. يشنفها فتطرب و نغمة شاردة تحلق فوق سماء القاعة الرحيبة ( تفج ) زحمة الاصوات من كل سلالم الموسيقى المعدودة سباعيها .. و خماسيها و سودانيها لتهبط في عصب الحس عندي فتقدح زناد الانفعال مع الطرب .. وهنا المحه محمد عبدالله أبكر ، بإبتسامته الشهير وهو يرسم بأنامله لوحة من أنغام تتفلت من بين الاوتار والأنامل وتهبط في عصب الحس ، يا الله يا لمطوع أوتار الكمان محمدية . (3) زارني في المكتب مغاضباً كيف لكم ان تستخدموا صورتي دون الرجوع الي ؟ هذا شئ لا يشبهكم ولا يمت بشئ الي الحرفية والمهنية التي تتشدقون بها !! . إبتسمت ، قطب جبينه وهو ينظر إلى فنجان القهوة أمامه ولا يرتشف منه قطرة ، قلت له : استاذ حنانيك .. صبرك لحظة واحدة ، تفضل القهوة لكي لا تبرد . هدأ قليلاً ولكنه لم يقرب القهوة . (4) أستاذي ان الذي ظهر في الإعلان الترويجي ليس هو انت ! ليس هو محمدية الاستاذ الكبير النحرير في الموسيقى ، العالم الذي يموسق نوتاتها كيف يشاء بأنامل من ذهب ، ابتسم ورد علي : ارجوك ما (تأكل راسى ) بكلامك هذا . فأنا زعلان حقيقةً . قلت له لا عاش من يزعلك . لمحت ابتسامة مشرقة ترتسم على وجهه لم تستطع الابتسامة الفاترة أمامي ان تلقى بظلالها وتحجب أصل الأشراق الذي اعتادته ابتسامته المُعبرة . (5) حلفت له بأن الذي ظهر في الإعلان ليس هو ، بل هو من بلد آخر غير السودان واردفت ان (محمدية السودان ) واحد لن يتكرر فهو محمد عبد الله محمد أبكر وهو موسيقي سوداني وُلد في بورتسودان حوالي عام 1940، ويُعد من أبرز عازفي الكمان في تاريخ الغناء السوداني الحديث، إذ استمر في العزف أكثر من نصف قرن وترك بصمة كبيرة في تطوير الفرق الموسيقية ومرافقة كبار الفنانين. (6) استمعت بشغف وحزن بالغ الي سمفونية وداعاً محمدية في برنامج اغاني واغاني في حلقته الاولى في العام 2015 في موسمه العاشر حيث كان (العالم الجميل ) يرعى البرنامج وكانت المقطوعة الموسيقية من تأليف اسماعيل عبدالجبار ، كان الحزن يملأ افياء البرنامج وعزف إسماعيل عبدالجبار المنفرد يجعل النغم الحزين ينطق والدموع تطفر من الأعين التي تنظر مقعد محمدية الفارغ . وكل نغمة من المعزوفة كانت تبكي محمدية والأيادي التي تعزف الحب والوفاء تلوح ناحية الكرسي الفارغ تردد وداعاً محمدية ، ألوح بقلبي وكل حواسي وأهتف: وداعاً يا نغم عصافير فرقتي الموسيقية وداعاً محمدية . (7) تساءلت حينها ماذا ؟ اذا كانت العصافير فرقتك الموسيقية ؟ ما احلى أنغامها الطبيعية والتي ظل محمدية يعزفها اوتار وأنغام شجية ل نصف قرن من الزمان ، اوتار كمان محمدية كانت تعزف كل يوم سيمفونية طبيعية من الحان العصافير ، تشقشق وتعكس جمال روحه وابتسامة تجمع بين الحزن والوضاءة والتي لم تفارق وجهه حتى فارق الحياة ، ورحم الله محمدية فقد كان وحده فرقة موسيقية صنعتها العصافير . (8) تذكرت كل هذا وجال بخاطري وكل الاسافير تمتلئ وتفيض بصور اشخاص ترجعهم التكنولوجيا بذات ملامحهم الوضيئة عقود الي الوراء حيث اجيال الخمسينات والستينات والسبعينات ، يتلاعب الذكاء الاصطناعي بالملامح الحالية للشخص ويضيف عليها بعض نضارة ولمسة من شباب ثم يعيدها الي تلكم العقود ، تنظر الشبه فاذا به (باين) وفيه ( تعود القمرة إلى أصلها / وصباحك إنتي حقو الناس / يجوهوا يشيلوا منو الفال / صباح البشرى للمحزون / صباح العيد على الأطفال/ وطبعك فيه رقة ونفرة زي طبع الجدي الجفال) فأشبه شديد ولا يبعد كثيراً عن الشخص بملامحه الحالية . بكل تأكيد لم نستخدم الذكاء الاصطناعي الذي ما كان موجوداً قبل عقدين من الزمان لرسم صورة الراحل المقيم محمدية ، ومع انه وقع في روع محمدية أن الشخص الذي ظهر في الإعلان ما هو إلا محمدية ، وزاد من تعقيد الأمر إتصال اشخاص كُثر يعلقون علي ظهوره في الإعلان بصورة فوتغرافية شابة تعود الي ستينات القرن الماضي ، يقول محمدية وهو يضحك حتى أنا صدقت ان الذي في الصورة ما هو إلا أنا في ريعان الشباب . (9) إعلامي كبير وصديق عزيز إتصل عليَّ بنبرة صوت حزينة وأعطاني محاضرة في حقوق الملكية الفكرية وانه لا يحق لنا ونحن نتبني قيم القلب والتألق والانتماء أن نتغول على حقوق شخص مثل محمدية ونغمطه حقه بإستخدام صورته دون إذنه . إنتظرت حتى إنتهى الصديق من محاضرته المطولة في الأخلاق وحفظ الحقوق . وقلت له هل إنتهيت من محاضرتك في القيم والاخلاق وحفظ الحقوق ؟ رد بغضب : نعم وعليك الاجابة علي تساؤلاتي وسأقوم بنشر كل شئ على الملأ . قلت له : لا تتسرع ، إنتظر ، أسمع ثم أصنع ما تريد ، فإن الشخص الذي ظهر في الاعلان حتى ولو كان محمدية نفسه او غيره فليس لديه حقوق ملكية ، وانما حق الملكية يعود للمبدع الذي أنتج الصورة أو اللوحة ، اما موضوع الصورة فله حقوق اخرى يتقاضاها عن طريق القضاء المدني وليس لمواد الملكية الفكرية شأن في ذلك . ثانياً ان الشخص الذي ظهر في الإعلان لا يمت للمبدع محمدية بصلة( حتى انه من بلد غير السودان ) وقلت له أن الاعلان الذي أنتجته شركة عالمية حرصت علي إعطاء صاحب الصورة الذي هو (ليس الفنان محمدية) حقوقه كاملة وبالتالي أذن لها بإستخدام صورته . صمت الصديق الإعلامي الكبير للحظة قبل ان بنفجر ضاحكاً ليقول لي (أنا هسه اقول لمحمدية شنو ؟ ) قلت له بسرعة قل له ( يخلق من الشبه أربعين ) ضحك الصديق طويلاً قبل أن يختم المحادثة بتمنيات غاليات للعزيز محمدية بالتوفيق والسداد . (10) الف ورحمة ونور في هذه الايام المباركات تتنزل علي قبر الراحل المقيم محمدية . نسأل الله ان يلهمنا حسن العزاء في كل من غادر الفانية بل في (كل طائر مرتحل عبر البحر / قاصد الاهل حملته أشواقي الدفيقه / ليك ياحبيبي / للوطن /لترابه / لشطآنه / للدار الوريفة ) والتحية للصديق الاعلامي الكبير وكل عام وأنتم بخير . كما ان الذي قدح زناد الأفكار في هذا المقال فهو إستدعاء ذكرى محمدية ونحن نناقش تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستدعاء ملامح الوجوه من الماضى وجوانب مهنية وإحترافية أُخرى مع الجميل الصديق محمود الجيلي قلت له لعلها فرصة أن أسترجع صورة فرقة عصافير محمدية الموسيقية في مقالي لهذا الاسبوع ، وقد كان !!