ما بين عودة الحكومة إلى الخرطوم وهروب الجنجويد منها!
Mazin
خالد محمد أحمد
في لحظةٍ كثيفة الدلالات، لا يمكن النظر إلى عودة الحكومة إلى الخرطوم من عاصمتها المؤقتة بورتسودان باعتبارها إجراءً إداريًا أو خطوة بروتوكولية عابرة؛ فهذا الحدث ليس مجرَّد انتقالٍ جغرافي، بل إعلانٌ رمزي عن استعادة السيادة، وإيذانٌ بانتهاء مرحلةٍ سوداء كانت فيها العاصمة مختطفة، ومنتهكة، ومُدارة بمنطق الغلبة والسلاح والنهب.
نحن أمام منعطفٍ تاريخي لا يضاهيه في الأهمية سوى يوم تحرير الخرطوم نفسها من دنس الجنجويد.
ذلك اليوم الذي انقشع فيه الكابوس عن صدر العاصمة، واستعادت المدينة حقَّها في التنفُّس، ولو جزئيًا، بعد شهورٍ طويلة من الإذلال والدم والخراب.
ذلك اليوم لم يكن مشهد انسحابٍ عسكري فحسب، بل صورةٌ مكثَّفة للهزيمة الأخلاقية لجسدٍ مثقلٍ بالخزي يتسلَّل في صمتٍ كالح، ويجرُّ أذيال الهزيمة مخلِّفًا وراءه مدينةً مكسورة، وذاكرةً دامية، وخرابًا لا يُمحى بسهولة.
ولولا خشيتي من توسيع الهوَّة بين أبناء الوطن مستقبلًا، وحرصي على قطع الطريق أمام أيّ تفتيتٍ مجتمعي، لدعوتُ إلى إعلان السادس والعشرين من مارس يومًا وطنيًا، وعطلةً سنوية تُخلَّد فيها تلك اللحظة المفصلية، وتُستعاد فيها ذكرى التضحيات الجسام التي بذلها أولئك الأبطال الذين ارتوت أرض الوطن بدمائهم ليبقى للسودان اسمٌ.
لا يقلُّ ذلك اليوم، في تقديري، أهمية عن ذكرى الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، بل ربما يفوقها أثرًا وعمقًا.
فالعدو هذه المرَّة لم يكن غريبًا جاء من وراء البحار، بل كان من بني جلدتنا؛ أشدّ وحشيةً وغدرًا، وأكثر قسوةً على أهله وناسه.
والمفارقة المؤلمة أن المستعمر، على قسوته، غادر معزَّزًا مكرَّمًا في مشهدٍ محسوب، أنزَل علمه بترتيبٍ وهيبة، وترك وراءه بلدًا نابضًا بالحياة، ومؤسساتٍ مدنية وخدماتٍ عامة كانت من بين الأفضل في إفريقيا. غادر، وما زال بعضنا بعد عقودٍ يتحسَّر على رحيله، ويقارن بين ما كان وما آل إليه حالنا في ظلّ حكَّامنا “الوطنيين” الذين أمعنوا في قهرنا وسرقتنا.
أما الجنجويد، فقد هربوا غير مأسوفٍ عليهم بعد أن أحالوا الخرطوم إلى أطلالٍ موحشة، ونكَّلوا بأهلها، وتركوا جراحًا غائرة في الوعي والذاكرة. وحين جاء يومهم، لم يجدوا إلا طريق الفرار؛ خرجوا أذلَّةً صاغرين عبر جبل أولياء يتسلَّلون كما تفرُّ الجرذان من جحورها بلا وداعٍ، وبلا شرفٍ، وبلا أثرٍ يُحترَم.
قارِنوا بين المشهدين في زمن الصورة والتكنولوجيا، وانظروا أيّهما أحقّ بأن يُخلَّد في ذاكرة الوطن.
عودة الحكومة إلى الخرطوم ليست نهاية الطريق، بل علامةٌ فارقة فيه، واختبارٌ سياسي وأخلاقي قبل أن يكون إداريًا.
فإمَّا أن تنهض الدولة بروحٍ جديدة تعِي معنى ما جرى، وتَستخلِص دروس الدم والخراب، وإمَّا أن ترتدَّ إلى حالها الأولى وكأنَّ شيئًا لم يكن لتضيف خيبةً جديدة إلى سجِّل الفرص المهدرة في تاريخ السودان.