يواجه مؤتمر أديس أبابا إشكالية جوهرية تتعلق بغياب التوافق السوداني حول أطرافه وأجندته، إذ إن توسيع المشاركة دون مرجعية سياسية واضحة قد يؤدي إلى إنتاج مخرجات ضعيفة وغير قابلة للتنفيذ.
كما أن أي حوار لا يستند إلى تمثيل حقيقي للقوى المؤثرة على الأرض، ولا يأخذ في الاعتبار تعقيدات الحرب السودانية، سيظل أقرب إلى إطار نظري منه إلى مسار عملي قادر على إنهاء الحرب أو معالجة جذورها.
ولا يتعلق الإشكال بعدد المشاركين فحسب، بل بطبيعة العملية نفسها؛ فالسؤال المطروح هو: هل يمثل المؤتمر حواراً تأسيسياً حقيقياً أم مجرد إدارة دولية للأزمة عبر منصات متعددة؟ إن تعدد المبادرات دون تنسيق بينها يخلق حالة من التشظي السياسي الإضافي بدلاً من بناء أرضية مشتركة.
ويكمن الخطر الأكبر في المسارات الحالية في محاولة فرض تصورات جاهزة للحل من الخارج، في وقت لا يزال فيه الداخل السوداني منقسماً حول تعريف الأزمة وأولويات معالجتها. فأي عملية سياسية لا تنطلق من الداخل وتستند إلى ميزان القوى الحقيقي ستظل عرضة للتعثر أو الانهيار عند أول اختبار جدي.
إن نجاح أي مبادرة دولية أو إقليمية يبقى مرهوناً بقدرتها على تجميع السودانيين لا إعادة توزيعهم في مسارات متوازية، لأن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من دفعها نحو تسوية شاملة.
ولا خلاف على أن الحوار السياسي لإنهاء الأزمة السودانية أمر مهم ومطلوب من جميع القوى السياسية والمدنية الفاعلة، لكن أي حوار أو تفاوض يتجاوز الحكومة الشرعية يُعد مساساً بالسيادة الوطنية، ولن يفضي إلى نتائج إيجابية مهما بلغت درجة الحشد الدولي الداعم له.
كما أن القوى الدولية الراعية للمبادرة الخماسية ظلت، في مختلف منابرها واجتماعاتها، تمارس نوعاً من العزل السياسي عبر التركيز على تيارات بعينها وإقصاء أخرى بحجج غير منطقية، وهو ما يجعل مخرجاتها عرضة للرفض من قبل قوى سياسية وجماعات مدنية وقيادات مجتمعية فاعلة في المشهد السوداني.
ومن ثم، فإن على القوى الخارجية إعادة النظر في المبادرة الخماسية التي ترفضها العديد من الكيانات، والعودة إلى منبر جدة الذي يحظى بشبه إجماع، باعتباره اتفاقاً تم التوقيع عليه في مايو 2023. فالبحث عن حلول للأزمة السودانية لن يحقق نتائج إيجابية إذا لم يركز على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إبعاد مليشيا الدعم السريع عسكرياً وسياسياً من معادلة المستقبل السياسي للبلاد.