مآلات المقاربة السعودية والإماراتية في المنطقة العربية

رمضان أحمد
تتباين مقاربات الدول الإقليمية في تعاملها مع الدول الهشة أو المعرّضة للتفكك تبعاً لاختلاف تصوراتها للأمن الإقليمي، ولمصادر التهديد، ولطبيعة المصالح التي تسعى إلى حمايتها أو توسيعها. ففي حين تنظر بعض الدول الغنية إلى هشاشة الدول الأخرى باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل المجال السياسي والأمني بما يخدم نفوذها ومصالحها، ترى دول أخرى في هذه الهشاشة خللاً بنيوياً يجب احتواؤه ومعالجته، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تفكك الدول لا يولّد فراغاً آمناً، بل يفتح المجال لصراعات ممتدة يصعب التحكم في مآلاتها.
في هذا السياق، يمكن ملاحظة تمايز واضح بين المقاربة الإماراتية والمقاربة السعودية في عدد من الأزمات العربية خلال العقد الأخير. فقد اتجهت دولة الإمارات العربية المتحدة، وفق مؤشرات متعددة، إلى الاستثمار في البيئات الهشة عبر دعم فاعلين محليين من خارج إطار الدولة الوطنية، بما في ذلك جماعات انفصالية أو قوى مسلحة موازية لمؤسسات الدولة، كما في حالات اليمن، وليبيا، وسوريا، ولاحقاً السودان. تقوم هذه المقاربة على إدارة النفوذ عبر الوكلاء، والتحكم في الموانئ والممرات الحيوية، وبناء شبكات تأثير أمنية واقتصادية، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الدولة أو تماسكها المؤسسي.
في المقابل، تطورت المقاربة السعودية على نحو أكثر تحفظاً وحذراً، إذ خلصت الرياض، بعد سنوات من المراقبة والتريث، إلى أن كلفة منع انهيار الدولة الهشة تظل أقل بكثير من كلفة التعامل مع دولة منهارة بالكامل. فمرحلة ما بعد السقوط غالباً ما تشهد انفجاراً في الصراعات الداخلية، وتنامي الفواعل المسلحة غير المنضبطة، وامتداد التهديدات العابرة للحدود، بما ينعكس سلباً على الأمن الإقليمي، ويجعل السيطرة على مسار الأحداث أمراً بالغ التعقيد. وقد تجلّى هذا الإدراك بوضوح في الحالة اليمنية، حيث ظلت المملكة العربية السعودية تراقب التحولات الداخلية وتوازنات القوى لسنوات، إلى أن بات انفصال جنوب اليمن احتمالاً قريباً وملموساً، الأمر الذي دفعها إلى التدخل الحاسم للحيلولة دون تشكل كيان منفصل قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بطريقة تهدد أمنها القومي وحدودها الجنوبية.
وعلى ضوء هذه التطورات، يبدو أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي قد تجاوز حدود التباين التكتيكي إلى اختلاف أعمق في الرؤية الاستراتيجية لإدارة الإقليم. فالإمارات، التي استثمرت بكثافة في الأوضاع الهشة، تجد نفسها أمام تساؤلات جوهرية بعد تقلص هامش حركتها في اليمن: هل هي مستعدة لمواصلة هذه المقاربة في ساحات أخرى؟ وهل هي قادرة أو راغبة في الدخول في مسارات تصادمية غير مباشرة مع السعودية في دول تتقاطع فيها مصالح الطرفين؟
في المقابل، يطرح المسار السعودي الجديد تساؤلات من نوع آخر: هل تمثل هذه المقاربة خياراً استراتيجياً طويل الأمد يقوم على دعم استقرار الدول الوطنية، أم أنها مجرد استجابة تكتيكية لظروف مرحلية؟ المؤشرات الأولية توحي بأن هذا المسار يحظى بقبول شعبي واسع في العالمين العربي والإسلامي، نظراً لتعب المجتمعات من الحروب والانقسامات، وتزايد القناعة بأن تفكيك الدول لم يحقق لا الاستقرار ولا التنمية. وعموماً، تبدو المنطقة العربية مقبلة على تحولات عميقة خلال المرحلة المقبلة، تختلف في طبيعتها عن موجات التغيير المرتبطة بثورات الربيع العربي. فهذه التحولات لا تُدار عبر الشارع وحده، ولا تصاحبها بالضرورة مظاهر احتجاج جماهيري واسع، بل تتشكل في مستويات أعلى من إعادة ترتيب موازين القوة، والتحالفات، ومفاهيم الأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار، سيكون لمدى ثبات المملكة العربية السعودية على مقاربتها الجديدة دور حاسم في تحديد ما إذا كانت هذه التحولات ستُستثمر لصالح استقرار الدول، أم ستُهدر في دورات جديدة من الصراع.
وتشير معطيات إقليمية متزايدة إلى تشكّل نواة تحالف جديد في المنطقة، يضم السعودية ومصر وتركيا وإيران وباكستان، يقوم – نظرياً وعملياً – على مبدأ دعم استقرار الدول العربية والإسلامية، والحفاظ على وحدتها، بدلاً من توظيف هشاشتها. ورغم التباينات السياسية والأيديولوجية بين أطراف هذا التشكيل، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في إدراك مخاطر الفوضى، ورفض منطق التفتيت، والسعي إلى إدارة الخلافات ضمن أطر تضبط الصراع ولا تتركه ينفلت.
إن نجاح هذا التوجه، إن اكتمل وتماسك، قد يشكّل تحوّلاً نوعياً في بنية النظام الإقليمي الإسلامي، وينقل المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات عبر التفكيك، إلى مرحلة أكثر عقلانية تقوم على الاحتواء، والتوازن، وحماية الدولة الوطنية بوصفها الإطار الضروري لأي استقرار. ولاستدامة الاستقرار يجب أن يكون الشعب هو من يقرر مصيره عبر صندوق الاقتراع وهذا في نهاية المطاف النهج الضامن لاستدامة الاستقرار.



