لمحات من حياتنا في تنقسي الجزيرة محطة كندمر: هل وجد بعدها ما يوحد اللقيا والوداع؟
Mazin
حسن سعيد المجمر
في كل يوم تشرق الشمس منذ الأزل، لكن شروقها في منحنى النيل جد مختلف، هناك تتسلل خيوط ضوئها بين سعف النخيل تطارد خيوط الظلام مفعمة بنسمات الفجر ومحملة ببعض حبات الرمال المنسكبة على الجروف. الناس في هذه الأنحاء يستعدون لتقسيم أرزاقهم مع قسمات الصباح، وهم على يقين وقناعة بنجاح الزرع ودر الضرع وفي حالة رضا إذا مولوا (المريق) أو انحسرت أيام (طوبة) و(عقرب) فقل انتاج القمح. تدور بهم الأيام بلياليها يفرحون يوم ترسى (الجلاء أو كربكان) عند دوم كندمر، تلك المحطة النيلية العريقة التي يرجع تاريخها للدولة السنارية أو ما قبلها. أشجار الدوم هذه القديمة والمباركة، لأنها تحتضن ثرى الفقيه محمد عبد الرحمن الأغبش، وإلى جواره قبور عشرات أطفال المنطقة الذين فارقوا الحياة قبل أن يقفوا على أرجلهم أو تشتد سواعدهم لتسقط بالحجارة ثمار الدوم. يحتفظ كثيرون بقصص إنسانية مفرحة ومحزنة، يوم تتجه الباخرة جنوبا نحو كريمة حاملة حجاج بيت الله، أو طلاب المدارس الوسطي والثانوية، أو حتى المحبوبة التي تغادر بقلب المحب دون استئذان. على مقربة من محطة كندمر المدرسة الأولية التي رسخت ريادة تنقسي الجزيرة في النصف الأول من القرن الماضي قبل أن تنافس قرى أخرى بالمنطقة أخرى مدارس ودور تنقسي الرائد في مجالات العمل العام النقابي والثقافي والتعليمي والزراعي والصحي. وإلى جوار المدرسة نشأت المستشفى والمدرسة الابتدائية والمركز الثقافي الذي شهدت ابداعات شباب البلد في أداء مسرحيات دكين وأمونة بت الشيخ حمد. درب السوق الذي ما زال يفصل بين كندمر والمدرسة والمستشفى ما زالت أجنابه تحي سالكيه صباح مساء بعطر نوار الفول المصري وإن قل عددهم. هذا الدرب سار به آباء عظام، منهم من رهن أرضه لكي تبنى المدرسة المصرية في خمسينات القرن الماضي، ومنهم من باع بقرته الحلوب ليدفع رسوم دراسة أبنائه، ومنهم من هجر البلد مرغما إلى الصعيد ليدفع عن أهله الحاجة والعوز. على نفس الدرب مضت أمهات تحملت الصعاب لكي يقدمن رجالا ونساء يحملون راية الوطن فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. وعلى هذا الدرب الذي قطعه لوري دفع الله، وباص عبد المنعم، وتنكرهاشم، وكومر مختار سيظل الوعد قائما بأن أهل هذه المنطقة مهما أبعدتهم المسافات أو قست بهم دروب الحياة سيظل وصلهم بالبلد باق لا ينقطع.