لجنة لتهيئة الحوار مع السيد الدولار !!

محجوب فضل بدري

بما أن خطة سعادة الفريق أول خلا حميدتي دقلو رئيس اللجنة الاقتصادية التي سقطت بسقوطه، والتي كان قد قال في أول تصريح له (نحنا الدولار ده نتصارع معاه كدااا يا رمـانا يارمينـاهو). ونتيجة هذا الصراع المزعوم معلومة للجميع وقد وُلدت اللجنةُ ميتةً، لم نحس منها من أحد أو نسمع لها رِكزاً.

وبما أن اتفاق بريتون وودز في عام 1944، والذى أُنشأ نظام نقدي عالمي قد جعل السيد الدولار محور النظام وحَدد له سعراً ثابتاً مقابل الذهب حوالى 35 دولاراً للأونصة.

ورُبطت العملات بالدولار بأسعار قابلة للتعديل. فقد كانت البنوك المركزية والحكومات الأجنبية تستطيع تحويل الدولار إلى ذهب لدى الخزانة الأمريكية، لكى لا

يكون الدولار بديلاً كاملاً عن الذهب، حتى جاء قرار الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فى 15 أغسطس 1971 والذي قضى بإلغاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب بالنسبة للبنوك المركزية الأجنبية، وكان سبب القرار هو التهرب من تَحَمُّل تحويل كميات الدولار الموجودة خارج الولايات المتحدة والتي أصبحت أكبر بكثير من مخزون الذهب الأمريكى، والقرار (كَتَل الدُّش في يد الدول التي تمتلك دولارات) وأُغلق ما كان يسمى (نافذة الذهب – Gold Window).. وهكذا انهار نظام بريتون وودز عملياً، وانتقلت معظم العملات الرئيسية إلى أسعار صرف عائمة، وأصبح الدولار عملة ورقية (Fiat Currency) لا تستند إلى قابلية استبداله بالذهب بقرار أمريكى منفرد .

اذاً في عام 1944 جعلت الولايات المتحدة الدولار محوراً للنظام النقدي العالمي، مع ربطه بالذهب.

وفي عام1971 أوقف نيكسون تحويل الدولار إلى ذهب، فأصبح الدولار – الذى تنفرد أمريكا بطباعته- نفسه أصل الاحتياط الرئيسي دون غطاء من الذهب .

وفي السودان كان الجنيه يساوي أكثر من ثلاثة (دلالير) على وزن دينار دنانير كما أفتىٰ بذلك بروف عبدالله الطيب، الذى يرى أن من الخطأ أن نقول في جمع دولار دولارات. فمن أراد لغة الأعاجم فليقل دولار – دولارز . ومن أراد الفصحى فليقل دولار – دلالير.

ثم تحول الدولار في سوق السودان إلى سلعة (في رقبتو دي)، وشاعت نغمة (دولار ريال شيك سياحي) في الأسواق وحقق تجار العملة ثراءً فاحشاً في وقتٍ وجيز.

وتآكلت قيمة العملة الوطنية شيئاً فشيئاً، وأرتفع سعر الدولار بشكل جنوني حتي وصل إلى ما وصل إليه اليوم. ودون الخوض فى التفاصيل والمراحل فإننا بازاء عدو شرس وقاتل صامت يسري في عروق أقتصادنا بشكل مميت.

والحال هذه لابد لنا من التوجه نحو الحوار مع السيد الدولار قبل أن يعصف بما تبقى من أسباب الحياة لاقتصاد بلادنا الذي يرقد في غيبوبة بغرفة العناية الحثيثة .

وبما أن أسهل ما تلجأ إليه حكوماتنا هو أِلقاء القبض على تجار العملة وايداعهم السجون أو حتى محاكمتهم بالاعدام، وقد ثبت عدم فاعلية هذه المعالجات الأمنية. أو فرمانات البنك المركزي التي تُحدد السياسات النقدية من حينٍ لآخر . أو قرارات الحكومة بتقليل الطلب على الدولار بمنع استيراد بعض السلع الكمالية، وكل هذه الحزمة مجتمعةً لم تؤثر في تصاعد سعر الدولار الذي يخرج لسانه لبؤس أداء اقتصادنا وتواضع انتاجنا .

بمقدورنا أن نُغيِّر المستقبل ولكن ليس بالإمكان تغيير الماضى. فما فَاتَ ليس بآتٍ ومحاولات النجاة من أن لا يغرق الجنيه فى لُجة سعر صرف الدولار تصبح كمن يحاول سماع صوت العنكبوت وهى تحيك بيتها، وأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.

الاكتفاء بحدود الممكن يجب أن تحل محلها جسارة الارادة لمعانقة المستحيل، وهو (الانتاج) لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعظيم الفائدة من ثرواتنا الظاهرة والباطنة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وهذا لن يتم اِلَّا فى ظل تشكيل حكومة جسورة وحازمة تسير وفق خطة علمية مدروسة مثل خطوات البيادة، قصيرة ونشيطة. ومقدرات البلاد تكفى وتفيض والشعب المكتوي بنيران الغلاء بعد أن تجرَّع مرارات الحرب، جاهز لترجمة شعار شعب واحد جيش واحد إلى واقع عملي فلن يحمل كل فرد بندقية يقاتل بها إلى جانب الجيش، لكنه سيحمل الطورية والمنجل للزراعة، والمسطرين للبناء، والعصا للرعي، والقناعة والإيمان للسعي في الرزق، وأن يحمل أبناءه إلى العلم حَملاً حتى تُفتح له الآفاق، فالحُجُب القاتمة،ترفعها المعرفة.

وهكذا يكون الحوار مع السيد الدولار من مركز قوة وليس من موقف ضعف وأن نضع أوراقنا على الطاولة، ولا نركن إلى أحلام أن يتهاوي سعر الدولار بلا مقابل!! إن الدولار أصبح الأصل الاحتياطي والنقدي الرئيسي في النظام العالمي، بينما ظل الذهب موجوداً كأصل احتياطي خارج النظام الرسمى، والصين أكبر دائن لأمريكا العلاقة بينهما تُعتَبَر (اعتماد متبادل) فالصين تحتاج إلى سوق الدولار والأصول الدولارية،

والولايات المتحدة تستفيد من استعداد المستثمرين، ومنهم الصين، لشراء سنداتها. وهكذا في دورة مصالح مشتركة لن تنتهى بين عشية وضحاها .

استطاعت أمريكا بعد 1971 أن تجعل العالم يستمر في استخدام الدولار رغم أنه لم يعد قابلاً للتحويل إلى ذهب، واستحدثت (نظام البترودولار) فالنفط والتجارة الدولية تعتمد عليه. اهااا كيف وكيف!!

لا أرشح نفسي بالطبع عضواً في لجنة تهيئة الحوار مع السيد الدولار مع أنني حافظ حتى جدول اتناشر !! ولا أفهم في الاقتصاد أكثر من الفريق خلا رئيس اللجنة الاقتصادية التي كان من أعضائها الدكتور الخبير الاقتصادى (المؤسس) للخيبة والخذلان .

وليس عندى شروط ولا بنود للحوار لكن حواء السودان والدة العلماء والخبراء بعدد الحصىٰ ليس من بينهم الجنجويد ولا العملاء الذين تظل الوطنية في دواخلهم ظلٌ أخرسٌ لا يُجيب نداء الوطن.

فالحوار الاقتصادي خيرٌ من الحوار السياسي وفى كلٍ خير.

حفظ الله البلاد والعباد.

Exit mobile version