كيف تستثمر المصارف السودانية في تعبئة مدخرات المغتربين؟
Mazin
م.م. محمد الشاطر الأمين
المصارف التجارية هي حجر الزاوية في مشروع تعبئة مدخرات المغتربين، لأنها وحدها القادرة على تحويل فكرة الصندوق السيادي من نص تشريعي في أدراج الوزارات إلى ثقة يومية يلمسها المغترب في هاتفه. ولهذا المشروع تأصيله الراسخ في مقاصد الشريعة، فهو يرتكز على خمسة أصول قرآنية ونبوية تجعله مقبولا لدى المصرف الإسلامي والمغترب المحافظ.
الأصل الأول.. حفظ المال وتثميره لا تضييعه:
وهو أحد مقاصد الشريعة الخمسة. فالمال قيام للناس، وقد قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [النساء: 5]. فإذا ذهب تحويل المغترب كله استهلاكا عبر السوق الموازي فقد ضاع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)، وعلاج ذلك هو حساب الأسرة الثلاثي الذي تبتكره المصارف، حيث يقسم النظام المصرفي أي تحويل يصل آليا إلى محفظة للمعيشة تدار ببطاقة صراف للوالدين أو لأسرة المغترب أو لأبنائه حسب حالته، ومحفظة للطوارئ وديعة مجمدة لا تفك إلا بكود طبي، ومحفظة للأصل تشتري وحدات في الصندوق السيادي ولا تمس. فنعطي صاحب الحاجة قدر حاجته ونحفظ له أصله، وهذا عين القيام الذي أمر الله به.
الأصل الثاني .. أداء الأمانة والوصاية المستقلة:
الخطيئة الكبرى في التجارب السابقة أن أموال المغتربين دخلت الموازنة العامة فتبخرت. والمصرف هنا ليس تاجراً يأخذ المال لنفسه، بل هو أمين حافظ للوديعة، وهذا هو عقد الوديعة والوكالة في الفقه الإسلامي. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: 58]، وقال في صفة المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: 8]. والحل هو إنشاء كيان خاص باسم أمناء حصاد، يديره تحالف من المصارف الكبرى لا تملك الحكومة فيه سهماً ولا توقيعا، ويكون حساب الصندوق فيه مجمداً لا يخرج منه دولار إلا بتوقيعين، توقيع مدير المشروع الميداني وتوقيع ممثل المغتربين، مع لوحة تحكم علنية تنشر كل يوم أين ذهب المال وكم أنتج، فالمصرف يؤدي الأمانة بدولارها كما أخذها بدولارها.
الأصل الثالث .. الوفاء بالعقود والشفافية:
إن حساب حصاد المغلق بالعملة الصعبة وهو شهادة إيداع دولية بآجال معلومة تصدر بمراسلة بنوك خارجية وبضمان إيرادات المشاريع ذاتها، والعقد الأسري الذي يقسم المال، هي عقود يجب الوفاء بها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1]، وقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: 34]. والمصرف الذي ينشر كشف حساب يومي يطبق قوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) [البقرة: 283]، ويخرج من الظلمات التي دمرت ثقة المغترب، فالشفافية ليست شعاراً بل هي وفاء بالعقد وأداء للشهادة.
الأصل الرابع .. تنمية المال بالعمل الجماعي المبارك:
تمويل محطة شمسية واحدة بمئات المغتربين هو شركة واستثمار جماعي مبارك. قال صلى الله عليه وسلم: (يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ)، وفي الحديث القدسي: (أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) فالصندوق السيادي هو شركة بين آلاف المغتربين الله ثالثهم ما لم يخونوا، والمصرف هو الشاهد العدل عليهم. ولهذا نقترح ألا تطلق المصارف حملة إعلانية، بل تطلق مشروع إثبات ثقة واحداً صغيراً، محطة شمسية واحدة تمول بإصدار تجريبي محدود، مع بث مباشر شهري من الموقع وتحويل العائد في موعده، فالعملاء الراضون في مجالس المهجر أبلغ أثراً من كل دعاية.
الأصل الخامس .. كفالة الأسرة وصلة الرحم:
بطاقة الصراف للوالدين أو للأسرة أو للأبناء، وبطاقة التأمين الصحي الشامل التي يخصم قسطها من عائد السندات، تدخل في النفقة الواجبة وهي أعظم النفقة أجراً. قال صلى الله عليه وسلم: (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ). والمصرف هنا لا يتبرع بل يصنع لنفسه قاعدة عملاء ممتازة منخفضة المخاطر مضمونة بتحويلات منتظمة، ويعين المغترب على صلة رحمه ويحول ادخاره إلى نظام نقاط حصاد تؤهله لقرض إسكان وخطاب ضمان لإعفاء جمركي لمعدات مشروعه.
وبهذه الأصول الخمسة يربح الجميع ربحا مشتركا، المغترب يربح عائدا آمنا وأصلا مرئيا، والأسرة تربح انضباطا يحمي مستقبلها، والمصرف يربح عمولة حفظ ووديعة مستقرة، والدولة تربح تمويلا تنمويا بلا ديون جديدة، وتلك هي النقلة الكبرى من صراف عملة إلى مدير ثقة يحفظ المال ويؤدي الأمانة.