قطع الشرايين: كيف بدأت نهاية المليشيا (3/2)

فيما أرى
عادل الباز
في الحلقة الأولى من هذا المقال رأينا كيف بدأ تقطيع شرايين إمداد المليشيا في جبهتين:
الأولى هي جبهة ليبيا، التي تمثل خط إمداد رئيسيًا للمليشيا بالسلاح والبترول والمرتزقة، ثم جرى قطع خط الإمداد الآخر من تشاد، لأنه لم يعد آمنًا بفعل اختراقات الاستخبارات العسكرية السودانية، ومقدرتها على رصد كافة التحركات من الكاميرون إلى إنجمينا.
اليوم ننظر في خطوط الإمداد الاخرى وكيف ما تم تقطيعها، حتى أصبحت الإمدادات القادمة من أبوظبي ليست ذات جدوى
2.
شريان ثالث تكفلت به روسيا، وهو الشريان القادم من إفريقيا الوسطى. هذا الشريان، وللعجب، أسسته روسيا نفسها من خلال تواجد فاغنر، التي كانت تتعاون مع المليشيا في تهريب الذهب من جبل عامر ومنطقة سنقو عبر الحدود إلى إفريقيا الوسطى.
الأسبوع الماضي أعلنت القوات الروسية التابعة للفيلق الإفريقي أنها قد طردت قوات مليشيا الدعم السريع ومليشيات أخرى من معسكراتها على الحدود، وهذا يعني أن روسيا هي الآن من تسيطر على المنطقة التي كانت تسرح وتمرح فيها المليشيا، ما يعني قطع إمداد المليشيا من إفريقيا الوسطى، وقطع سلاسل توريد الذهب وتهريبه من تلك الحدود.
بالطبع لا أستبعد أن المخابرات السودانية، التي لها علاقات واسعة مع المليشيات هناك منذ عهد حركتى سيليكا و«أنتي بالاكا»، إضافة إلى علاقة السودان بأجهزة المخابرات الإفريقية عبر منظمة السيسا ، قد لعبت دورًا في توفير المعلومات عن تحركات المليشيا في عموم إفريقيا. أضف إلى ذلك الموقف الروسي الداعم للجيش والحكومة السودانية
3.
تبقى للمليشيا شريان واحد هو الجنوب، وهذا تكفل به توت قلواك. بعد سيطرة المليشيا على منطقة هجليج، أدرك الجنوب أي خطر يمكن أن يتهدده إذا استمر في لعبة الخداع التي احترفها سعيًا وراء وعود ومغريات أبوظبي، حتى أدرك الرئيس سلفاكير، بعد زيارته الأخيرة لأبوظبي، أن الإمارات تستهدفه هو نفسه تمامًا كما تستهدف الرئيس البرهان.
في زيارة توت قلواك الأخيرة إلى بورتسودان، بعد إعادة تعيينه وفي أعقاب هجليج، وُضعت أمامه كل الملفات، وليس ملف البترول وحده. فالاتفاق يجب أن يكون شاملًا؛ فالسودان ليس بحاجة إلى 200 مليون دولار شهريًا التي يوفرها بترول الجنوب، إذ يمكنه تعويضها، ولكن الجنوب بلا بدائل. وإذا استمر في دعم المليشيا، أو حتى في غض الطرف عن تدفق المرتزقة من حدوده، والسلاح، والتشوين، سيكون للسودان موقف آخر.
تعهد توت قلواك بمعالجة الأمر بأسرع ما تيسر، وخاصة بعد الإطاحة بعصابة الإمارات داخل أجهزة الدولة الجنوبية. معلوم أن السلاح يدخل إلى السودان بطرق أخرى، ولكن الجنوب بوابة للمرتزقة، وهذا شريان لا بد من وقفه. بانتظار أن تصدق وعود قلواك.
4
لم يتبقَّ من جسد المليشيا شريان آخر تتغذى به إلا من إثيوبيا، التي ارتكبت غلطة عمرها بالسماح لمعسكرات للمليشيا داخل أراضيها على الحدود الشرقية مع الدمازين في منطقة أصوصا. استفزت هذه الخطوة مصر كما لم تستفز من قبل، الأمر الذي فسرته مصر بأن الإمارات دخلت بيت اللعب، وأصبحت تلعب في منطقة حساسة، وتدعم عدوًا واضحًا يسعى لقطع شرايين حياة مصر نفسها.
بعد أن أدركت مصر خطورة الأوضاع وما يمكن أن تؤول إليه، أجرت عمليات جراحية في منطقة يابوس، وبطريقة أو أخرى ساعدت في تدمير كل المتحركات وكل التشوين القادم من أصوصا إلى خور يابوس، والذي كان تسليح قوات جوزيف توكا، التي جرى إعدادها في معسكرات أصوصا تحت سمع وبصر ومساعدة إثيوبيا، وبتمويل كامل من الإمارات، التي سحبت آلياتها من الصومال من منطقة بونتلاند بعد طردها الذي أُعلن رسميًا أمس، إذ طُردت من كل الأراضي والموانئ الصومالية، ودفعت بها للمليشيا في معسكراتها بمنطقة أصوصا، بعد أن توترت العلاقة بين الصومال والإمارات تحت الضغط السعودي، وتلك قصة أخرى.
وهنا نلاحظ كيف استدارت مصر وكتّابها وإعلامها للانتباه لحجم المؤامرة التي تحيط بها، حتى السيدة أماني الطويل اضطرت لمهاجمة الإمارات وإثيوبيا لأول مرة. حمدًا على السلامة يا أماني. كنا نقول لك إن هذا التمرد في أصله ضد مصر؛ تمرد صهيوني إماراتي لتطويق مصر، ولكنك لم تكوني تسمعين. الآن صار بصرك اليوم حديد. مبروك.
أدركت مصر أخيرًا الحقائق بعد أن رأت أن الذين يديرون معسكرات الجنجويد في أصوصا خبراء إسرائيليون، وأن الهدف هو الوصول إلى خزان الرصيرص. وتعلم مصر خطورة سيطرة المليشيا على بوابات المياه في ظل الصراع مع إثيوبيا حول ملف المياه. بالأمس زار وزير الخارجية الإسرائيلي اثيوبيا ودعى (لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع إثيوبيا)
تعرف مصر أن أمنها القومي بحاجة إلى قوة تصونه. وبالطبع ليس من الحكمة مقايضة الأمن القومي المصري بمليارات هنا وهناك في رأس الحكمة.
أما السودان فكانت رسالته واضحة على لسان الرئيس البرهان حين قال لهم:
«إن من يعتقد أن السودان ضعيفًا فهو واهم».
ولا بد أن الإثيوبيين استمعوا جيدًا لهذه الرسالة، التي مفادها: يا سيد آبي أحمد، إن بيتك من قش، فلا تلعب مع الآخرين بالنار، وهي قريبة من بابك وحدودك. وأن السودان ليس بلا حلفاء يعتمد عليهم. ستعلم إثيوبيا بعد حين أنها فتحت على نفسها أبواب جهنم حين قبلت أن تكون أراضيها مسرحًا لعصابات الجنجويد، ورهنت قرارها للإمارات. سبحان الله، السودان ساهم في تحرير إثيوبيا، ترد الجميل أديس له بأن تفتح أرضها للمستعمرين الجدد ليغزوها. رحمة الله عليك ياعروة…انت محظوظ لم تحضر زمان التفاهة والبيع رخيص هذا. .
نواصل.



