بروف عثمان أبوزيد
من المسافة صفر
صدر في القاهرة كتاب “من المسافة صفر” للدكتورة سلوى حسن صديق، وقد شرُفت بكتابة هذا التقديم للكتاب:
فاتحة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
أما بعد،
فإن القصة والرواية الأدبية ينسجها مؤلفوها عادة من وحي خيالهم، وقد يجمعون فيها بين الحقيقة والتخييل، إلا أن قصص “من المسافة صفر” وقائع حقيقية تنقلها الدكتورة سلوى حسن صديق من أحداث “حرب الكرامة”، وما أدراك ما حرب الكرامة… تلك الوقيعة التي أجّج ضرامَها من صاروا طعامَها. أشعلوها في منتصف أبريل من عام 2023م وفي العشر الأواخر من شهر رمضان 1444 للهجرة.
وانتفض الشعب بكل فئاته على المعتدين ليكسر أنياب الأشرار ويقلِّم منهم الأظفار.
وكاتبة “من المسافة صفر” في الأصل صحافية وأستاذة جامعية للإعلام، لكنها لم تتخذ أسلوب (الكتابة الآلية) التي نعهدها في الصحافة، بل غمست قلمها في المعاناة الصادمة للشعب السوداني أثناء هذه الحرب؛ من قتل وسلب ونهب واغتصاب، لتضيء زوايا مظلمة من الأهوال؛ تزعزعت منها الأبدان وتضعضعت منها الأركان.
والنساء أوعى حسًا بالمعاناة الإنسانية من الرجال، وربما من أجل ذلك صارت الصحف ووسائل الإعلام في السنين الأخيرة تختار النساء مراسلات حربيات، بعد أن كانت هذه المهمة حصرًا على الرجال. ونحن نتذكر كيف أن تلك الأذن الواعية لمراسلة في حرب البوسنة، التقطت أنات النساء المغتصبات وبكاء الأطفال، ونقلتها بلمسة نسائية فلفتت أنظار العالم لما يحدث من جرائم. فعلت ذلك حين كان زملاؤها من المراسلين (الرجال) يسترقون أسماعهم لأصوات القنابل والمدافع ويحاولون تمييز أصوات السلاح والعتاد الحربي.
والقصص التي يضمها هذا الكتاب تقدم نفسها بنفسها، إذ ليس من عادة أصحاب القصص والروايات وضع مقدمات لأعمالهم، فلندع القارئ يدخل إليها مباشرة دون إبطاء.
وإذا كان من كلمة يسيرة فلكي تساعد في تعزيز الفهم للسياق العام الذي وقعت فيه الأحداث أو لإعطاء إشارة أو تلميح حول ما سيتناوله الكتاب.
ولعل أهم إشارة نلفت إليها نظر القارئ الكريم أن هذه الحرب التي شمل شرُّها وظهر ضرُّها، ينبغي ألا تعود، وأن يعم السلام أرجاء الوطن ليكون السلام ثقافة المجتمع، والنمط المتبع، لا مجرد شعار يرفع.
لعل هذه القصص تساعد في التفكير والتوعية، وتجنيب الوطن من العصبيات القديمة والقبليات الذميمة، ويقبل الناس بالاختلاف ويحترمون بعضهم بعضًا، ويرفضون التطرف العنيف والإرهاب…
يقول الله تعالى: “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” (من الآية 176، سورة الأعراف)، صدق الله العظيم.