رأي

قراءة لغوية جيوسياسية لخطاب ترمب للسيسي بشأن سدّ النهضة

خالد محمد أحمد

الخطاب السياسي ليس مجرَّد وسيلة محايدة لنقل المعلومات، بل ممارسة للسلطة، وإعادة ترتيب للواقع، وتحديد لما يجب أن يُفهَم. ومن هذا المنظور، تكتسب التفاصيل اللغوية والصياغية الصغيرة في الرسائل الدبلوماسية دلالاتٍ سياسية عميقة كما يتضح في رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن سدّ النهضة.

من الملاحظات اللغوية التي ربما تغيب عن كثيرٍ من القراء كتابة كلمة DAM متبوعة بعلامة تعجبٍ داخل قوسين (!DAM)، واستعمال الحرف الكبير في كلمة Military في تعبيرٍ لا يستوجب ذلك نحويًا.

تكشف هاتان الملاحظتان الكثير عن طبيعة الرؤية الأمريكية للنزاع وتأطير السدّ بنقله من حقلٍ دلالي إلى آخر؛ فعندما يُشار إلى المشروع باسمه الكامل Grand Ethiopian Renaissance Dam، تستحضِر اللغة دلالات التنمية والنهضة الوطنية والسيادة. غير أن اختزال هذا الاسم المركَّب في نهاية الرسالة إلى (!DAM) قد لا يكون مجرَّد تبسيط لغوي. ويمكن قراءة هاتين الملاحظتين وما سيأتي ضمن مقاربة تحليل الخطاب السياسي وتأطير النزاعات.

لا يُستعمَل القوسان هنا لإضافة معلومة، بل لتثبيت زاوية قراءة بعينها؛ إذْ إن استعمالهما مقترنًا بعلامة التعجب في سياقٍ دبلوماسي رسمي ليس مألوفًا، وهذا يجعل الاستعمال مرجَّحًا بوصفه اختيارًا واعيًا لا مجرَّد سهو. وفي هذا الإطار، يُفهم هذا الاختزال باعتباره إشارة إلى المنظور الأمريكي للملفّ؛ إذْ إنه يجرّد المشروع من رمزيَّته الإثيوبية، ويوسّع تعريفه بوصفه شأنًا إقليميًا يتجاوز دول المنبع والممرّ والمصبّ.

اللافت أن الكلمة نفسها استُعمِلت في مواضع سابقة من الرسالة من دون هذه العلامات ومن دون تكبير كلّ حروفها، وهو ما يؤكّد أن الانحراف الأسلوبي في نهاية الرسالة متعمَّد، وأنه لحظة خطابية كاشفة عن موقفٍ، لا عن سهو.

وينسحب الأمر ذاته على استهلال كلمة Military بحرفٍ كبير في تعبير major Military conflict؛ فالكلمة لا تُحيل إلى اسم علم، لكن كتابتها بهذا الشكل تنقلها من صفةٍ إلى علامة دلالية قائمة بذاتها تؤدّي وظيفة استرعاء الانتباه على نحوٍ مماثل لما تفعله الحروف العريضة (bold) أو المائلة (italics) أو الكلمات التي يُوضَع تحتها خط (underlined). وبهذا لا يعود الحديث مقتصرًا على نزاعٍ مسلّح بالمعنى العام، بل ينسجم مع إعادة تأطير السدّ من مشروعٍ تنموي إلى خطرٍ أمني إقليمي.

قد ينحو البعض إلى تفسير هذه الانزياحات اللغوية بأنها مجرَّد فوضى أسلوبية مرتبطة بشخصية ترمب. غير أن هذا التفسير يبدو قاصرًا، لأننا أمام خطابٍ مُعدّ ومراجع بعناية، والراجح أنه مقصودٌ حتى في انزياحاته ضمن السياق المؤسسي للرئاسة الأمريكية.

وحتى إن افترضنا على سبيل التحوُّط أن بعض هذه الانزياحات اللغوية ناتج عن تداول نسخةٍ أولية غير منقَّحة من الخطاب، فإن ذلك لا ينقض القراءة المطروحة، بل يعزّزها؛ إذْ يدلُّ ظهور هذه العلامات، ولو في مسوَّدة أولى، على أن حساسيَّة التناول واتجاهه التأطيري كانت جزءًا من التصوُّر الأصلي للرسالة.

ويتضح حرص الجانب الأمريكي على الرصانة في تفضيله إرسال خطابٍ رسمي مكتوب عوضًا عن الاكتفاء بمكالماتٍ هاتفية أو لقاءات ولو افتراضية؛ فالرسائل، بخلاف المكالمات، تمنح القضية ثقلاً وتبرز أهمية الملفّ، وتُنشئ سجّلًا ثابتًا يحدّد المواقف ويُثبتها، ويمكن الرجوع إليه سياسيًا أو قانونيًا لاحقًا.

تتأكَّد هذه القراءة عند النظر إلى هامش الرسالة، أي ترتيب قائمة الإحاطات (cc) بإدراج محمد بن سلمان أولاً يليه محمد بن زايد ثانيًا، فالرئيس الإثيوبي ثالثًا، وأخيرًا عبد الفتاح البرهان.

لا يمكن قراءة هذا الترتيب باعتباره ترتيبًا بروتوكوليًا، بل هو ترتيب نفوذ وقدرة على التأثير، ولا يعكس من هم أصحاب الحقّ المائي، بل من تَعتقد واشنطن أنهم قادرون فعليًا على تحريك الملفّ. ففي المنظور الإستراتيجي الأميركي، تُعدُّ السعودية والإمارات من أهمّ الفاعلين القادرين على التأثير المتزامن في الدول الثلاث المعنيَّة بالنزاع لارتباطهما السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني بالدول المعنيَّة. وتدرك واشنطن أن ملفّ سدّ النهضة لا يمكن فرضه أو مراقبته أو استقراره بدون المال والضمانات الخليجية في ظلّ سودانٍ مفكّك وضعيف، وإثيوبيا مثقلة بالضغوط الاقتصادية. وتحمل إحاطة الرياض وأبوظبي هنا رسالة ضمنية مفادها أن هذه الوساطة لن تنجح دونهما.

أما وضع البرهان في ذيل القائمة، فيعكس رؤية واشنطن عن أن السودان بواقعه السياسي والأمني الحالي هو الحلقة الأضعف، وأنه ساحة متأثّرة أكثر منه محرّكًا للملفّ. ويُضاف إلى ذلك اختيار مخاطبة الرئيس الإثيوبي، لا رئيس الوزراء آبي أحمد المرتبط مباشرة بمشروع السدّ، في إشارةٍ إلى أن الملفّ مسألةٌ سيادية تتعلق بالدولة الإثيوبية ككيانٍ، لا بحكومةٍ تنفيذية عابرة.

إجمالاً، هذه التفاصيل اللغوية والصياغية جزءٌ من بنيةٍ خطابية متكاملة تُعيد تعريف المشروع بوصفه شأنًا إقليميًا، لا مجرَّد مشروعٍ تنموي داخلي أو خلافٍ ثنائي أو ثلاثي، وتُعيد في الوقت نفسه تعريف الحلّ باعتباره صفقة قوى تُدار بمنطق النفوذ والضغط، وهو ما يوضّح أولويات واشنطن ورؤيتها لضبط مسار هذا النزاع.

*17 يناير 2026*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى