في منتدى إعمار السودان بلندن.. لغة المصالح لا الصدقات

فيما أرى: من لندن – عادل الباز

1

لأول مرة في أوروبا، أدخل قاعة مؤتمر اقتصادي وأنا أحس بالفخر والكرامة.

كنت في السابق، حين أدخل قاعات مثل هذه المؤتمرات، ينتابني إحساس مرّ بالدونية والمهانة؛ تشعر أنك قادم إلى تلك القاعة مثل أي متسوّل، يدك سفلى، وليس في وجهك مزعة لحم.

انتابني هذا الإحساس في مؤتمر أوسلو بعد اتفاقية نيفاشا، ثم في مؤتمر بباريس، وآخر ببرلين. كنت تدخل وأنت تشعر وكأنك تطلب الغوث أو تتسول التبرعات، وبعد كل هذه المذلة التي نتجرعها، يكون الحصاد صفراً.

لكن ما تغيّر هذه المرة ليس شكل المؤتمر فقط، بل موقع السودان في نفسه أولاً. نحن لم نعد نقف في طابور الشفقة، بل نقف على منصة المصالح. وهذا هو الفرق بين دولة تبحث عن إعانات، ودولة تعرف قيمة مواردها وتفاوض عليها. أما الآن، فنحن نتحدث باللغة التي يعرفها ويمكن أن يسمعنا بها العالم: لغة الصفقات لا الصدقات. وذلك، في تقديري، تقدم مبهر.

هذا المنتدى الذي انعقد أمس بوسط لندن انطلق من فكرة أن السودان “فرصة” على العالم أن يلتقطها. وهذا التحول وحده كافٍ لأن يغير طريقة تعامل المستثمرين معنا، بل طريقة تعاملنا مع أنفسنا.

هذه المرة كانت مختلفة تماماً؛ وأنا ألج إلى قاعة “منتدى إعمار السودان بلندن” اول امس كنت مزهواً. فهذا مؤتمر اقتصادي (سوداني – بريطاني) ليس للتبرعات ولا للإغاثة، بل للأعمال. شعرت بسعادة وفخر لأنني هنا لأحضر لقاءً يضم شركات اقتصادية، ورجال أعمال سودانيين حقيقيين، وتجاراً وصناعيين، إلى جانب رجال أعمال بريطانيين. هذا هو ما يليق بنا.

ما قامت به سفارة السودان في لندن ليس مجرد مجهود جبار لانعقاد هذا المؤتمر في وقته الصحيح، بل هو جهد ذكي ومتجاوز للسرديات القديمة القائمة على “التسول”، إلى

شراكات أعمال حديثة وفعّالة. المشكلة لم تكن في العالم وحده، بل في الطريقة التي كنا نقدم بها أنفسنا للعالم؛ التبرعات والإغاثة قد تسعف، لكنها لا تؤسس اقتصاداً ولا تبني مصانع ولا طرقاً ولا موانئ. وحدها الشراكات الاستثمارية هي التي تصنع الدول.

لم يكن المؤتمر رائعاً على مستوى الفكرة فقط، بل من حيث التنظيم والترتيب، والقطاعات المشاركة، والحضور النوعي من رجال الأعمال الذين فاضت بهم القاعة. غير أن أكثر ما أعجبني وأبهرني هو مشاركة الشباب في المنصة الرئيسية بمساهمات قيمة، ووعي متقدم، وأفكار عصرية شكلت إضافة حقيقية للمنتدى. لنا أن نفخر بجيل جديد من رجال الأعمال والباحثين الذين سرّهم هذا التفاعل، وأثبتوا أنهم يتابعون قضايا وطنهم بجدية واهتمام. إن مشاركة الشباب هنا ليست مجرد “تفاصيل جميلة”، بل رسالة استراتيجية تقول إن السودان لا يملك موارد طبيعية فقط، بل يملك رأسمال بشري قادراً على قيادة الاقتصاد الحديث بلغة جديدة، وفكر جديد، وثقة جديدة.

2

“الفرصة الأكبر هنا”: السودان بعائد استثمار غير مسبوق

طرح المؤتمر فكرة أساسية تقول: “الآن الفرصة الأكبر هنا”. حيث قدم المنتدى رؤية واضحة لستة قطاعات استراتيجية هي: التعدين والذهب، الزراعة والصناعات الغذائية، الطاقة والنفط والغاز، الموانئ والخدمات اللوجستية، الاتصالات والخدمات الرقمية، والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وكل تلك القطاعات تتيح فرصاً للاستثمار لا تتوفر في أي منطقة أخرى، بأرباح يصعب أن يحصل عليها المستثمر في دولة أخرى. قال الباحث الشاب أحمد بابكر (من أكسفورد) إنهم قاموا مؤخراً بتحليل معدل العائد من الاستثمار في مصر بناءً على المخاطر، فكان نحو 20%، ثم طبقوا ذات التحليل على السودان فوجدوه حوالي 40% وربما يصل إلى 50%.

يحدث ذلك في ظل اقتصاد مرن بموارد غير محدودة، قادر دائماً على التكيف. والغريب أن الحرب، رغم قسوتها، كشفت معدن الاقتصاد السوداني الحقيقي: اقتصاد لا يموت، بل اقتصاد يتكيف ويعيد إنتاج نفسه في أقسى الظروف. وهذه ليست مجرد ميزة ظرفية، بل مؤشر على قدرة نادرة في الأسواق الناشئة.

3

اقتصاد يتكيف أثناء الحرب لا بعدها

قدمت الشابة أمل وجدي ميرغني مداخلة لافتة حول قدرة الاقتصاد السوداني على التكيف السريع، وأشارت إلى التحول الهائل للاستثمار في الأقاليم، في الزراعة والصناعة، ثم التكيف الرقمي الذي صاحب الحرب، حتى أصبح الجميع يستخدم التطبيقات في التعاملات التجارية.

وذكرت — بدقة — أن القطاعات الزراعية والصناعية والرقمية لم تنتظر “ما بعد الحرب”، بل بدأت تنهض وتعيد بناء نفسها أثناء الحرب. وأكدت أن القطاع الزراعي سيظل مصدر الميزة التنافسية طويلة الأمد، وأن المزارعين والشركات الزراعية استجابوا بقوة للتحديات وبدأوا ضخ استثمارات مباشرة في المناطق الآمنة. كما أشارت إلى أن بعض المزارعين في ولايات مثل (القضارف) شرعوا في إنشاء بنى تحتية مستقلة، بما في ذلك مطارات خاصة، في مؤشر على تحول استراتيجي بعيداً عن الاعتماد الكامل على الخرطوم.

وفي قطاع الطاقة، حدث التكيف سريعاً؛وأشار أمين أحمد عبد اللطيف إلى أن سوق الطاقة الشمسية شهد قفزة كبيرة، حيث ارتفع من نحو 10 ملايين دولار سنوياً قبل الحرب إلى أكثر من 500 مليون دولار في عام 2025، في تحول وصفه بـ”الحاد والمفاجئ”. وتفاصيل رؤية كل قطاع ستطالعونها في ملحق شامل عن المؤتمر بهذه الصحيفة التي عادت بقوة إلى الساحة الصحفية كصحافة اقتصادية متخصصة.. يامراحب.

4

التمويل: أين نجد مئات المليارات؟

كثير من الأسئلة طُرحت ستجدون الإجابة عليها في إفادات المشاركين والخبراء في ملحق هذا العدد، ولكن السؤال الذي سأعتني به في هذا المقال، والذي كان  الأكثر إلحاحاً في أذهان كثي من المؤتمرين، هو: كيف يمكن تمويل خطة إعمار تحتاج إلى مئات المليارات؟

قدّم الأستاذ ناجي إدريس إجابة قوية، حين أشار إلى أن العالم يملك سيولة هائلة قابلة للتوظيف، منها:

سوق التأمين في لندن بحجم يقارب 301 مليار دولار.

صناديق المعاشات بنحو 3.3 تريليون دولار، ومتوقع أن تصل في 2031 إلى 4.09 تريليون دولار.

وكالة تمويل الصادرات البريطانية نشرت تمويلاً يقارب 20 مليار دولار العام الماضي، وتعهدت بـ20 ملياراً إضافية، ليصل إجمالي الائتمان وضمانات التمويل إلى نحو 80 مليار دولار.

على المستوى العالمي، تبلغ قدرة وكالات ائتمان الصادرات (ECA) نحو 2.5 تريليون دولار هذا العام، وتتجه إلى 3 تريليونات دولار خلال سنوات قليلة.

كما أشار إلى أن السودان اعتاد التعامل مع جهات مثل SACE/Socodis وصندوق دعم الصادرات، إضافة إلى مؤسسات مثل “أفريكسيم بنك” وغيرها. واقترح الشاب يوسف ماجد يوسف إمكانية استخدام احتياطي النفط والذهب كضمان، على أن تأتي السيولة من الطرف الآخر. كما طرح د. نزار إبراهيم نماذج مثل BOT وPPP وغيرها.

FDI… خيار السودان الواقعي

ورغم كل الإشارات المتكررة إلى وفرة التمويل عالمياً، لاحظتُ اتفاقاً ضمنياً بين المتحدثين حول أن الأولوية يجب أن تكون لـ “الاستثمار الأجنبي المباشر” (FDI)؛ لأنه يوفر تدفقات طويلة الأجل تدعم الإنتاج، وتخلق الوظائف، وتنقل الخبرات والتكنولوجيا، وتطور القطاعات الصناعية والخدمية. والآن عرفنا أن الأموال موجودة حول العالم، وأن أفريقيا وصلت بالفعل إلى نحو 30 مليار دولار من هذه التدفقات في العام الماضي. اذن هناك فرص وفرص هائلة  ولكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد؛ فإذا لم نحسن إدارة هذه اللحظة، وإذا لم نؤسس لبيئة قانونية موحدة وشفافة، فإن رأس المال سيذهب إلى حيث يجد الاستقرار أسرع، ولو كان العائد أقل.

5

الخاتمة: السودان يحتاج رؤية موحدة

دعوني أختم بالدعوة التي أُطلقت خلال المؤتمر: إنه لتحقيق الإعمار على أكمل وجه، وجذب المستثمرين، واستقطاب التمويل الدولي والإقليمي، لا بد من رؤية موحدة متماسكة على غرار رؤيتي السعودية وقطر 2030، يتوفر لها خبراء سودانيون، ويمكن الاستعانة ببيوت خبرة عالمية؛ حتى نكون على هدى وكتاب منير ونحن نمضي على طريق الإعمار بإذن الله.

أخيراً..

ما حدث في لندن ليس مجرد مؤتمر، إنه إعلان مبكر بأن السودان قادر على أن ينتقل من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الفرص، ومن دولة تنتظر المساعدات إلى دولة تصنع الشراكات. هذه هي المعركة الحقيقية: معركة إعادة تعريف السودان أمام العالم.

خالص الشكر والتحايا لكل من أتاح هذا اللقاء الفريد وجعله ممكناً، وخاصة طاقم السفارة المشتعل دوماً بحب وطنه وعطائه المتصل بقيادة السفير “الشاب” أبوبكر الصديق. شكراً على كل شيء وعلى هذا المؤتمر الرائع الذي تدفقت فيه المعلومات والأفكار لتؤسس طريقة عمل وأفكاراً “تمكث في الأرض وتنفع الناس”، وتقول للدولة بوضوح: هنا طريق ثالث.. ليس الصدقات والتبرعات، بل شركات الأعمال الذكية.. وهي أنفع وأكرم.

Exit mobile version