في الدويم: غلاء الأسعار يُغيّر مكوّنات المائدة

في جميع مدن السودان وقراه، لم يَعد غلاء الأسعار محض أرقام تتغيّر داخل الأسواق، إنما أصبح حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للأسر، يطال المائدة والدواء والمواصلات، ويدفع الناس إلى إعادة ترتيب أولوياتهم والتخلّي عن احتياجاتٍ كانت حتى وقت قريب جزءاً من حياتهم اليومية. ومع اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، تجد الأسَر محدودة الدَّخْل نفسَها أمام خيارات صعبة وحسابات يومية لتدبير احتياجاتها، بينما تتفاوت قدرتها على مواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف الغذاء والعلاج وغيرها من ضروريات الحياة.

وفي بيوت كثيرة، لا تتوقف آثار الغلاء عند القدرة على الشراء، إنما على نوعية الغذاء الذي تستطيع الأسر توفيره، وما إلى ذلك من ضغوط إضافية على الأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة، لتُصبح كلفة المعيشة مسألةً تتجاوز السوق إلى تفاصيل الحياة داخل البيوت.

تستطلع مراسلة «أتَـر» سكّان الدويم، وترصد كيف غيّر غلاء الأسعار مكوّنات المائدة في بيوت مدينتها.

خارج قدرة الأسر
يقول محمد عبد الله «فرص» لمراسلة «أتَـر»، إنّ سكّان الدويم يعيشون ضائقة معيشية متزايدة في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم المحلية، مشيراً إلى أنّ المدينة لا تُنتج ما يكفي احتياجاتها، وتعتمد على السلع الواردة من خارجها. ويضيف عبد الله أنّ أيسر الاحتياجات أصبحت خارج قدرة كثير من الأسر، وأنّ ارتفاع تكاليف المعيشة جعل توفير الغذاء الأساسي أكثر صعوبة، بينما يصبح الوضع أكثر قسوة عندما يمرض أحد أفراد الأسرة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج.

وجبة واحدة في اليوم
وتقول إشراف محمد علي لـ «أتَـر» وهي أمّ لثلاث فتيات وتعمل فرّاشة في أحد المستوصفات، إنّ راتبها الشهري يتأخّر أحياناً حتى منتصف الشهر التالي، ورغم ذلك تحاول تدبير احتياجات أسرتها بالاعتماد على الراتب والدَّين، إلا أنّ الارتفاع المستمر في تكاليف المواد الغذائية والفحم جعل الدَّخْل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات اليومية، فاضطرّت إلى تقليل الطعام، وأصبحوا يتناولون وجبة واحدة في اليوم، بينما يعتمدون خلال بقية اليوم على الخبز والشاي. وتضيف أنّ العدس أصبح من أكثر الأطعمة التي تعتمد عليها الأسرة، لكنها تحاول إعداده بأقل تكلفة ممكنة، قائلة إنهم يطبخونه أحياناً دون بصل بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.

ومن ملاحظتها لأحوال الناس في مدينتها، تقول إشراف إنّ تردّي الأوضاع الاقتصادية لا ينعكس على جميع السكّان بالطريقة نفسها، مشيرةً إلى أن هناك أسراً تعيش أوضاعاً أكثر صعوبة، وتعتمد على الدخل اليومي لتوفير احتياجاتها.

استغنينا عن اللحم واللبن
وبدورها تقول محاسن صدّيق لـ «أتَـر» إنّ أسرتها قد اضطرت إلى الاستغناء عن اللحم واللبن، والبحث عن بدائل للحم، بينما لم تجد بديلاً للّبن لأجل الأطفال الذين أصبحوا يذهبون إلى النوم بمعدة فارغة، محذرة من أن الاعتماد على غذاء أقل جودة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية، ويدفع الأسر إلى مواجهة مشكلة أخرى أشدّ تعقيداً تتمثّل في البحث عن العلاج.

الكسرة بدلاً من الخبز
وتقول عزيزة حسن لـ «أتَـر» إنّ ارتفاع تكاليف المعيشة دفعها إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات التي أصبحت بالنسبة لها من الرفاهيات، بينها اللبن الذي يحتاج إليه أطفالها. وتضيف أنها استبدلت الخبز بالكسرة لتقليل تكلفة المعيشة، وتتناولها الأسرة مع ما يسمّونه «ملاح النبي»، وهو كسرة معجونة بالزيت والبصل والماء. وتشير إلى أنَّ تفاوت الأسعار بين المتاجر يزيد من صعوبة معرفة السعر الحقيقي للسلع، وترى أن ضعف الرقابة على الأسواق يُسهم في زيادة معاناة السكّان.

الطعام أولاً ثمّ العلاج
وتقول عدوية عثمان لـ «أتَـر» إنّ ارتفاع تكلفة المعيشة أصبح يؤثر على قدرتها على توفير الغذاء والدواء، مشيرة إلى أنّ ارتفاع تكلفة الإنسولين زاد من صعوبة وضعها، وأنها أصبحت تؤجّل جرعة الإنسولين أحياناً إلى حين توفر الطعام. وتوضح أن الأسرة التي كانت توفر وجبتها قبل موعد الجرعة أصبحت تجمع المال أولاً لتوفير الخبز والغذاء، قائلةً إنّ الزيادات المتكرّرة في تكاليف المعيشة جعلت الحياة اليومية أكثر صعوبة.

الأسعار ترتفع أسرع من الدَّخْل
ويعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الطيب لـ «أتَـر»، وصول بعض الأسر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، إنذاراً اقتصادياً واجتماعياً خطيراً، لأنه يعني أنّ دخول الأسر عاجزة عن مواكبة أسعار السلع. ويضيف أنّ المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في أن الأسعار ترتفع أسرع من الدخول، فتتآكل القوة الشرائية للمواطن.

ويشير الطيب إلى أنّ الأسرة محدودة الدخل لا تملك هامشاً للمناورة، فعندما ترتفع تكلفة الغذاء والمواصلات والطاقة، تبدأ بتقليل الكميات والجودة، ثم الاستغناء عن بعض الاحتياجات، وقد يصل الأمر إلى تقليل عدد الوجبات والاستدانة والتخلي عن التعليم أو العلاج. وهنا يتحوّل التضخم من مشكلة اقتصادية إلى أزمة معيشية وتنموية وصحية ومهدد للأمن المجتمعي.

من أين يبدأ العلاج؟
يرى الطيب أنّ العلاج يبدأ من ضبط تكلفة المعيشة عبر تخفيف الرسوم والجبايات التي تدخل في تكلفة السلع، وتحسين انسياب الغذاء والوقود، ومكافحة الاحتكار والمضاربات، ومراجعة السياسات التي تزيد تكلفة الإنتاج والنقل. ويدعو إلى إنشاء آليات حماية مباشرة للفئات الأشد تضرّراً، تشمل دعماً غذائياً موجّهاً، ومساندة أصحاب الدخل اليومي، ودعم النقل والتعليم، مع مراجعة دورية للأجور والدخول وفق حركة الأسعار. ويرى في هذه الإجراءات مدخلاً إلى الحلّ الذي يجب تبنّيه بدلاً من مطالبة الأسر بالصبر.

ويقول الطيب إن القاعدة الاقتصادية البسيطة هي أنه إذا ارتفعت الأسعار أسرع من دخول الناس، فإن الاقتصاد لا يضغط على جيوبهم فقط، بل يقتطع تدريجياً من جودة حياتهم ومستقبل أسرهم، ما يؤدي إلى إضعاف منظومة المجتمع كلياً ويهدّد بقاء الدولة.

Exit mobile version