

روح الأنثى المتجددة
بقلم: عصماء عاصم
ثمة حقيقةٌ لا تحتاج إلى من يدافع عنها، ولا إلى عقلٍ يقيم لها البراهين، ولا إلى لسانٍ يقنع بها من لا يؤمن. حقيقةٌ تمضي إلينا منذ اللحظة التي نولد فيها، وإن لم نعرف متى تصل.
نحن لا نسأل إن كانت ستأتي؛ وإنما نجهل متى.
وما أغرب الإنسان؛ يقضي عمره في محاولة السيطرة على المجهول، بينما الحقيقة الوحيدة التي لا يملك حيالها شيئًا، هي أكثر الحقائق يقينًا.
الموت.
لا يحتاج الموت إلى موعدٍ نراه، ولا إلى رسالةٍ تخبرنا باقترابه. يكفي أن نلتفت حولنا؛ فنرى مقعدًا كان يشغله أحدهم، ثم خلا، وصوتًا كان يملأ المكان، ثم انقطع، واسمًا كان حاضرًا في تفاصيل الأيام، ثم صار يُقال بصيغة الماضي.
ومع ذلك، لا يزال الإنسان يتصرف كأن الرحيل شأنٌ يخص الآخرين.
يؤجل اعتذارًا لأن الغد قريب، ويترك كلمةً جميلة لوقتٍ أنسب، ويطيل خصومةً كان يمكن أن تنتهي بمصافحة، ويستنزف قلبه في أشياء يعلم في قرارة نفسه أنها لن تعبر معه إلى آخر الطريق.
كأننا لا ينقصنا اليقين، وإنما ينقصنا استشعار اليقين.
وهذه، لعلها إحدى أغرب مفارقات الإنسان: أن يعرف الحقيقة، ثم يعيش بعيدًا عن أثرها.
فالموت ليس غريبًا عن حياتنا كما نظن. هو حاضرٌ في كل بيتٍ عرف الفقد، وفي كل أمٍ ودّعت ابنًا، وفي كل ابنٍ غابت عنه يدٌ كان يظنها باقية، وفي كل قبرٍ يذكّر المارّة بأن تحت التراب حكاياتٍ كانت بالأمس تمشي بينهم.
ومع ذلك، نعود إلى حياتنا بعد كل جنازة، نفتح أبوابنا، نعدّ أيامنا، ونخطط للغد؛ كأننا لم نرَ شيئًا.
ربما لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يستحضر نهايته في كل لحظة، ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول الغفلة إلى طريقة حياة.
فأن تعرف أنك راحل، شيء.
وأن تعيش وأنت تستشعر أنك راحل، شيء آخر تمامًا.
حينها تتغير أشياء كثيرة.
يصبح للوقت حرمةٌ أخرى، وللكلمة وزنٌ آخر، وللخصام عمرٌ لا يستحق أن يطول. يصبح العفو أيسر، والامتنان أصدق، واللقاءات أكثر دفئًا؛ لأن الإنسان يدرك أن بعض اللحظات لا تأتي مرتين، وأن بعض الوجوه قد تكون رؤيته الأخيرة دون أن يعلم.
وليس الموت، في التصور الإسلامي، انطفاءً يبتلع الإنسان ثم يتركه في العدم. إنما هو عبورٌ من دارٍ إلى دار، وانقطاعٌ عن زمنٍ إلى زمن، وانتقالٌ من مقام العمل إلى مقام الحساب.
قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
لم تكن الآية إعلانًا عن استثناءٍ ينتظر بعضنا، بل حقيقةً تشمل الجميع.
وهنا تتغير نظرتنا إلى الموت.
فهو ليس السؤال: هل سيحدث؟
فذلك محسوم.
وإنما السؤال الأثقل: ماذا سيجد الإنسان حين تنتهي فرصة العمل؟
فكل ما في الدنيا قابلٌ للتبدل؛ المال قد يذهب، والصحة تتغير، والمكانة تزول، والوجوه تتعاقب، وحتى الإنسان نفسه يتبدل بين عامٍ وآخر.
أما الموت، فلا يتبدل.
يقف في آخر الطريق ثابتًا، بينما تتغير على جانبيه كل الأشياء.
ولعلنا لهذا لا نخاف الموت لأنه النهاية فحسب، بل لأنه الحقيقة الوحيدة التي لا نستطيع تعديلها، ولا مساومتها، ولا تأجيلها حين يحين وقتها.
لكن ثمة معنى آخر، أكثر رحمةً من الخوف.
فالموت هو الذي يذكّرنا بأن الحياة ليست ملكًا دائمًا، وأن العمر ليس شيئًا نملكه، وإنما شيءٌ نُمنح فرصة عيشه. وأن الإنسان مهما طال به الطريق، سيأتي يومٌ يُطوى فيه اسمه من دفتر الدنيا، وتبدأ الصفحة التي لم يعد فيها للوقت رجوع.
لذلك، ليس أعظم ما يفعله الموت أنه يضع للحياة خاتمة؛ بل أنه يكشف قيمتها لمن أحسن الإصغاء إليه.
يكشف لنا أن الإنسان لا يحتاج إلى عمرٍ أطول بقدر ما يحتاج إلى عمرٍ أصدق.
وأن بعض ما نؤجله لا يستحق التأجيل.
وأن بعض من نحبهم يستحقون منا كلمةً الآن، لا حين تصبح الكلمة ذكرى.
وأن بعض الأبواب التي أغلقناها بكبرياء، ربما كان أجمل ما فيها أن تُفتح بالعفو.
ولعل الحياة لا تصبح أثمن حين تطول، بل حين نتذكر أنها لا تدوم.
وهكذا، لا يعود الموت نقيضًا للحياة، بل يصبح أحد أكثر أسرارها وضوحًا؛ لأنه يضع حدًا للغفلة، ويمنح اللحظة وزنها، ويذكّر العابر بأنه عابر.
فكل شيءٍ هنا يتغير.
إلا الحقيقة التي نعرفها جميعًا، ونعيش كأنها بعيدة.
نحن لا نمضي نحو المجهول تمامًا؛ نحن نمضي نحو موعدٍ نعرف أنه آتٍ، ولا نعرف متى.
وربما ليست المعضلة في أن نموت يومًا…
بل في أن تأتي الحقيقة، فنكتشف أن الحياة التي كانت بين أيدينا لم تكن طويلةً بما يكفي لنصلح ما أفسدناه، ولا واسعةً بما يكفي لنستعيد ما أضعناه.
فليست الحياة أثمن لأنها باقية…
بل لأنها عابرة.