تعد أغنية الحب يا أم سماح واحدة من أنضر التجارب الغنائية التى جمعت بين الشاعر حسن الزبير والموسيقار يوسف الموصلي حيث بدا واضحا منذ اللحظة الأولى أن الطرفين دخلا التجربة بروح التحدي الفني الجميل فحسن الزبير كتب نصا شديد الكثافة والثراء بينما تعامل يوسف الموصلي مع القصيدة كمساحة مفتوحة للابتكار اللحني والتعبير الموسيقي العميق بعيدا عن القوالب التقليدية الجاهزة.
منذ المطلع يقدم حسن الزبير رؤية مختلفة للحب فهو لا يتعامل معه باعتباره حالة غنائية عابرة بل كقدر انساني يلاحق الجميع ولذلك يقول: (الحب يا أم سماح مو غي غنا وعرضه مكتوب فوق رقاب اليابا واليرضى).. وهنا تتحول العاطفة الى فكرة وجودية عميقة تجعل النص متجاوزا لفكرة الأغنية التقليدية الى مساحة شعرية أكثر رحابة وتأملا فى معنى الحب والإنسان.
القصيدة تتحرك بذكاء بين الفصحى والدارجة السودانية دون ان يشعر المستمع بأي تنافر لغوي وهذه من أصعب مناطق الكتابة الشعرية لأن الشاعر يكون مطالبا بالحفاظ على عمق الصورة وسهولة التلقي فى الوقت نفسه وقد نجح حسن الزبير فى ذلك عبر لغة مشبعة بالمخزون البلاغي العربي القديم لكنها تحتفظ بروح الشارع السوداني وحرارة التعبير الشعبي الصادق فى آن واحد.
ومن أبرز عناصر الجمال فى النص تلك الموسيقى الداخلية التى تولدها الكلمات نفسها قبل دخول اللحن فالتجاورات الصوتية مثل (الومضة) و(الغمدة) و(عمده) تصنع ايقاعا داخليا متحركا يجعل القصيدة قابلة للغناء بطبيعتها وكأن الشاعر كان يسمع اللحن فى داخله أثناء الكتابة وهو ما سهل على يوسف الموصلي لاحقا بناء عالم موسيقي متماسك ومليء بالتفاصيل الدقيقة المتحركة.
ويعرف عن يوسف الموصلي اعتماده على فكرة اللحن الدائري الذى يقوم على موتيفة أساسية ثابتة لكنه ينجح دائما فى كسر الرتابة عبر تحريك التفاصيل الداخلية وتغيير الجمل الصغيرة داخل البناء العام ولذلك يبدو اللحن متجددا فى كل مرة رغم استناده الى فكرة مركزية واحدة وهذه التقنية تحتاج الى موسيقار يملك وعيا كبيرا بعلاقة الكلمة بالنغمة وبالتدرج الشعوري داخل الأغنية.
ومن أكثر عناصر النص إدهاشا اختيار حسن الزبير لقافية ترتكز على حرف (الضاد) وهو من أصعب الحروف العربية شعريا وغنائيا فالضاد حرف ثقيل ومفخم ويصعب تطويعه داخل الغناء الرومانسي لكن الشاعر تعامل معه بمهارة كبيرة وجعله جزءا من المناخ النفسي للقصيدة ولذلك جاءت كلمات مثل (غض) و(لافض) و(تحفضا) و(ينفض) منسجمة صوتيا مع حالة العاشق المأزوم والمتوتر وجاءت القافية طبيعية دون أي احساس بالتكلف أو الصناعة.
ومن أجمل مناطق القصيدة صورة (طرفك ان طفر يرمي وان غض) حيث تتحول العين الى مصدر دائم للأذى العاطفي فى الحركة والسكون معا وهى صورة شديدة البلاغة والذكاء كما ان تكرار كلمة (غض) بأكثر من معنى بين الحياء والإعراض والطراوة يكشف عن شاعر واع تماما بأدواته اللغوية وقد ساهمت عبقرية يوسف الموصلي فى تحويل هذا النص الى تجربة سمعية مفعمة بالشجن والفخامة.