قاسم الظافر
يشكّل التصعيد الأخير الذي أقدمت عليه المملكة العربية السعودية تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر استهداف شحنات وإمدادات عسكرية في ميناء المُكلا (عاصمة حضرموت)، منعطفاً حاداً ونقطة تحول جوهرية في مسار العلاقات السعودية–الإماراتية، ويكشف بوضوح عن انهيار الثقة السياسية والأمنية بين الطرفين بعد سنوات من الشراكة المعلنة.
لقد كان ملف اليمن (عاصفة الحزم) أحد أهم البرامج الاستراتيجية التي انخرطت فيها كلٌّ من المملكة العربية السعودية والإمارات كشريكين ظاهريين، ليس دفاعاً عن الشرعية بقدر ما كان موجهاً لإجهاض مشروع التغيير والتحول الديمقراطي في الجزيرة العربية، خاصة بعد الثورة اليمنية عام 2011م. كما امتد هذا الدور المشترك إلى قمع محاولات التغيير الشعبي في مملكة البحرين عبر قوات درع الجزيرة في العام ذاته، في سياق إقليمي معادٍ لأي حراك شعبي مستقل.
غير أن التطورات اللاحقة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن دولة الإمارات لم تكن شريكاً استراتيجياً بقدر ما كانت طرفاً يعمل بمنهجية خادعة، تحمل نوايا عدائية تجاه المملكة، وتسعى بشكل ممنهج إلى توريطها في مواجهات مباشرة مع مجالها الحيوي في الجنوب اليمني، بهدف استنزافها، وإضعاف قدراتها، وزعزعة أمنها واستقرارها على المدى الطويل.
ويمثل هذا السلوك رسالة تحذير صريحة إلى جميع الشركاء التجاريين والعسكريين لدولة الإمارات في المنطقة؛ مفادها أن هذه الدولة لا تعمل إلا وفق منطق المصلحة الضيقة، وبعقلية عدائية راسخة تجاه أي دولة عربية تسعى إلى القوة أو الاستقلال أو الاستقرار. فجميع شراكات الإمارات، عاجلاً أم آجلاً، تنتهي إلى اختراقات أمنية، وتفكيك داخلي، وصناعة أزمات لشركائها.
لقد ساهمت دولة الإمارات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إشعال سلسلة من الصراعات والأزمات الإقليمية، بدءاً من دورها التخريبي في الأزمة القطرية–الخليجية، مروراً بفضائح خلايا التجسس في كل من سلطنة عُمان وتركيا، وانتهاءً بدعمها المباشر للحرب السورية وتحويلها إلى صراع أهلي طويل الأمد. كما لعبت الدور ذاته في ليبيا، التي انتهت إلى دولة منقسمة بين حكومتين، إحداهما صنيعة الدعم الإماراتي. وهذا النموذج التخريبي ذاته يُعاد إنتاجه اليوم في اليمن.
ولم يتوقف الدور الإماراتي عند هذا الحد، بل امتد ليشمل السودان، حيث ساهمت بشكل مباشر في تأجيج الحرب، وتمويلها، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لمليشيات التمرد، في واحدة من أخطر عمليات العبث بأمن دولة عربية ذات سيادة.
وبهذا السجل، فإن دولة الإمارات تُعدّ دولة عدوان بامتياز، تستهدف أمن واستقرار الدول العربية، ويجب التعامل معها على هذا الأساس، وإعلانها كذلك من قبل الدول المتضررة من سياساتها التخريبية. فهي تعمل بوضوح ضمن مشروع إقليمي يهدف إلى تقويض الاستقرار، وتفكيك الدول، وإدارة الفوضى كأداة نفوذ.
إن خطوة التصعيد الأخيرة التي أقدمت عليها المملكة العربية السعودية، باستهداف شحنات عسكرية إماراتية، يجب ألا تُفهم كحادثة معزولة، بل ينبغي أن تمثل بداية لمرحلة جديدة من العمل العربي المشترك في مواجهة التحركات الإماراتية في المنطقة، والتعامل معها بوصفها أعمالاً عدائية تستوجب الردع والمحاسبة السياسية والأمنية.
