صمود: خيارات الواقع الجديد

مصطفى البطل

هذا نداءٌ خالصٌ لوجه الله تعالى، نتوجّه به إلى الأحباب المنضوين تحت لافتة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، عسى الله أن يهدينا وإياهم صراطًا مستقيمًا.

لقد أسعدني أن المتحدثين باسمكم قد هدأت نفوسهم، وثابوا إلى شيءٍ من السكينة والرشد، وأنار الله بصائرهم بقدر ما دفعهم إلى التخلّي عن خطاب التهديد والوعيد تجاه خصومهم السياسيين، من قبيل: «تاني ما في زول يتحاوم بي هنا»، حتى بلغوا، بحفظ الله ورعايته، محطة الإشهار عن الموافقة الكاملة على حوار «سوداني ـ سوداني» داخل السودان، مع جميع القوى الوطنية، إشهاراً مطلقًا لم تُقيده لازمة «ما عدا»!

وتلك، لعمري، آيةٌ من آيات الحكمة وعودة الوعي؛ إذ لم يكن من الرأي السديد أن تناشدوا الناس، على مدى ثلاث سنوات، بوقف الحرب والدخول في حوار مع قوات الدعم السريع، تحت دعوى أن «الحوار إنما يكون مع الخصوم»، ثم تجوبون منتديات العرب والعجم وتهمسون في آذانهم بأن الإسلاميين هم من يسيطرون على الدولة والجيش وكل شيءٍ في السودان، ومع ذلك ترفضون الحوار معهم. وكأن الحوار عندكم لا يكون إلا مع الخصم الذي توالونه ويبادلكم الود، أما الخصوم الحقيقيون فالتعاطي معهم يكون بالسجود والدعاء والتزلّف لفرنجة أمريكا وأوروبا، كي يأتوا إلينا بخيلهم ورجلهم، فيقضوا على الإسلاميين نفرًا نفرًا، حتى ليخيَّل للمرء أن الصخرة ستصيح في وجه أحدهم: “يا صليبي، يا عدو الله، ورائي كوز، فتعال فاقتله”!

نستغفر الله. بل الخير، كل الخير، في أن نعود جميعًا إلى أرض الواقع، وأن نكابد حقائقه الصلبة، وأن نوطّن أنفسنا على ألّا نتّبع خطوات الشيطان؛ إنه كان للإنسان عدوًّا مبينًا.

فما هي الحقائق الصلبة على أرض الواقع؟

في طليعة هذه الحقائق أن جناح تنظيم الحرية والتغيير المتحوِّر، الذي انتهت به تقلُّبات السياسة المحلية والإقليمية والدولية إلى كيان «صمود» الحالي، تكمن، أو بالأحرى كمُنت، قوته الحقيقية في الشراكة مع القوات المسلحة وتولّي مهام الحكم التنفيذي في إطار تلك الشراكة. ويستتبع ذلك، بالضرورة، أن تنظيم «صمود» لا يملك، بغير الشراكة مع الجيش، وجودًا سياسيًا حقيقيًا يؤهله لتولّي الحكم في السودان.

ولا أظن أن أحدًا من أحبابنا في جماعة «صمود» ما يزال، غداة يومنا هذا وبعد أن دار الزمان دورته، يعوِّل أو يعقد الآمال على ما يردده بعض الساخطين على قائد الجيش، الفريق البرهان، في طرقات المدينة، من أنه يسعى، من طرفٍ خفي، إلى استعادة الشراكة معهم وتمكينهم من الحكم التنفيذي، إما رغبةً منه في التخلّص من الإسلاميين، أو خشيةً من مواجهة الأسئلة الصعبة عند انتهاء الحرب، وفي مقدمتها: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وكيف تمكّنت قوات الدعم السريع من حيازة كل تلك القوة وذلك الجبروت، حتى بسطت سيطرتها على معظم السودان، بينما كان ضباط الجيش وجنوده قابعين في بيوتهم؟!

وإن كان بين قيادات «صمود» من يشتري هذه البضاعة، ويراوِده ذلك الأمل حقًا، فهو واهم. فذلك حلمٌ دونه خرط القتاد؛ إذ لا القوات المسلحة، ولا الشارع السياسي في السودان، سيسمحان لسيناريو كهذا أن يتمدّد على أرض الواقع. وتكفي جولة عابرة بين ضباط القوات المسلحة وجنودها وقطاعات الشعب للتحقق من ذلك.

ثم إن المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وتتمركز فيها حاليًا — والمتمثلة تحديدًا في كامل إقليم دارفور، وبعض مناطق قبيلة المسيرية بغرب كردفان — وهي في معظمها، أو في سوادها الأعظم، حواضن موالية لآل دقلو، سيتحدد مستقبلها، شئنا أم أبينا، على مائدة التفاوض. فالقوات المسلحة، مهما كرّر قادتها تصريحاتهم المعتادة عن «تحرير كل شبر من دارفور»، لن يكون في مقدورها، بل لعلها لن تكون راغبة أصلًا، ما لم يفقد قادتها رشدهم، في خوض حربٍ قد تمتد عشر سنوات ضد قوات الدعم السريع، في عمق أراضيها، وبين قبائلها، فيما تظل خطوط إمدادها القادمة من دولة الإمارات والدول الأفريقية المجاورة مفتوحةً على مصاريعها.

وأيًا تكن دقة هذا التحليل أو مقدار صدقيته، فإن الثابت المقطوع به حتماً، وهو ما يعنينا هنا، أن قوات الدعم السريع قد أصبحت خارج المعادلة القومية تماماً، وأن وجودها المستقبلي في المشهد السياسي السوداني لم يعد وارداً، سواء آلت الأمور إلى سلمٍ أو إلى حرب. ذلك أن وجودها السياسي كان رهينًا بوجودها العسكري، وقد انحسر ظل هذا الوجود بفعل ضربات القوات المسلحة وكتائب الإسلاميين، ثم تزعزع بناؤه النفسي بعدما بدأت بوادر التفكك والانقسام تدبّ في صفوفه، حتى انتهى أمره منكمشًا داخل إقليم دارفور، الذي كان في الأصل دولةً مستقلة انضمت إلى السودان عام 1916.

وبلغةٍ أخرى، فإن جماعة «صمود» قد فقدت حليفها «الإطاري» الرئيسي الذي اختارت التقارب معه والاستقواء به. ولنا، بعد ذلك، أن نتخيّل القيمة السياسية الحقيقية لهؤلاء الأحباب وهم يمشون في طرقات السياسة السودانية عراةً متجردين من قميص الشراكة مع الجيش ومن بنطال التحالف مع الدعم السريع، فلم يبقَ لهم، بحسب هذا التصوير، إلا السروال الداخلي، المتمثل في الحماية والملاذات الآمنة التي توفرها لهم بعض القوى الغربية، بالإضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

ولكن ما الفائدة الحقيقية التي جناها، أو سيجنيها، هؤلاء الأحباب من مثل هذه الحماية؟ لقد ظلت البيانات والتصريحات الصادرة من الدوائر الغربية، على امتداد السنوات، تتكرر بعبارات متشابهة تدعو إلى تسليم الحكم للمدنيين، ولفظة «المدنيين» ليست، في عرف الفرنجة، إلا الاسم الدارج لجماعة «صمود». فما الذي حدث بعد كل ذلك؟ لا شيء. ومهما بالغ البعض في تقدير حجم النفوذ والتأثير الأجنبي، فإنه لا يوجد ما يدل، من قريب أو بعيد، على أن القوات المسلحة يمكن أن تخضع لمطالب خارجية تدعوها إلى تسليم الحكم لهؤلاء لمجرد أن تلك الجهات الأجنبية رغبت في ذلك. وقد تكرر هذا الطلب عشرات المرات من قبل، ولكن: على من تقرأ مزاميرك يا داود؟

فالواقع يقول إن السلطة الآن بيد قيادة القوات المسلحة، وإن المستقبل المنظور لا يخرج، على الأرجح ، عن أحد احتمالين:

أولهما: أن يستجيب قائد الجيش لما قد يراوده من طموح سياسي عقب انتهاء الحرب، فيتقدم إلى منصب رئاسة الجمهورية عبر انتخابات عاجلة، مستثمرًا الزخم الشعبي المساند له حاليًا في الشارع. ولو تحقق له ذلك، فمن المؤكد أنه سيضع في اعتباره أن ذلك الزخم الذي حمله إلى الرئاسة هو زخم «بل بس» المتمترس حول الجيش، لا غيره. وسيكون ذلك، بطبيعة الحال، خبرًا غير سار لجماعة «صمود»، إذ أنه مما يمتنع عقلاً أن يصل قائدٌ إلى الحكم على أكتاف قوم، ثم يوالي خصومهم ويمحضهم مودته!

أما الاحتمال الثاني، فهو أن تمضي قيادة الجيش بصورة جادة في ترتيب فترة انتقالية تنتهي إلى انتخابات عامة. وفي هذه الحال فإن من المستبعد تماماً أن تعبأ القيادة بأي ضغوط أجنبية تطالبها بتسليم الحكم إلى هذا الفريق أو ذاك، بل لعل مثل هذه الضغوط نفسها لن تكون حاضرة أصلًا. فأي دولة غربية يمكن أن تشهد انتقالًا ديمقراطيًا قائمًا على انتخابات حرة ونزيهة، تُدعى إلى مراقبتها، ثم تطالب — في الوقت نفسه — بإجهاضها وتسليم السلطة إلى جماعة غير منتخبة؟

ماذا نريد أن نقول لهؤلاء الأحباب؟

نقول لهم: ليس كل الطرق تؤدي إلى روما، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه. كفاكم تشردًا بين الدول والعواصم، تتخطفكم الأهواء والمصالح، يشتريكم هذا ويبيعكم ذاك، تستجدون ما في أيدي الناس وتسألونهم إلحافا، فيعدونكم حكم السودان، ويمنّونكم الأماني، والأماني مطية الحمقى!

أفلا أدلكم على طريقٍ يُنصفنا وينصفكم، ويفتح بيننا وبينكم بالحق؟ تعالوا إلى كلمةٍ سواء، واصطفوا مع أهل السودان على صعيدٍ واحد. لندعُ جميعًا إلى وقف الحرب، وإلى الشروع الفوري في تفاوضٍ بين قيادة الجيش الوطني وكل حملة السلاح من أبناء دارفور، تفاوضٍ مفتوح يضمن الخروج النهائي الكامل لقوات الدعم السريع وسائر المليشيات الدارفورية من شمال السودان، ويضع على طاولة النقاش جميع البدائل والخيارات المتعلقة بمستقبل دارفور… بلا استثناء.

ثم لندعُ معًا إلى برنامجٍ انتقالي وطني، تقوم عليه وتحرسه وتديره القوات المسلحة بالتعاون مع الكفاءات الوطنية، يعقبه تنظيم انتخابات حرة في ولايات الشمال كافة، تُفضي إلى برلمان قومي ودستور جديد للبلاد.

وطالبوا — ونحن معكم، يدًا واحدة وقلبًا واحدًا — بنهضةٍ تشريعية وقانونية متقدمة في نظام الانتخابات، تمنح القوى الحديثة، وأنتم من بينها، نسبة 50% من مقاعد البرلمان المرتقب، بما يضمن نصيب هذه القوى من السلطة المستحقة، ويكفل لها التعبير عن طموحاتها المشروعة، ويكرّس دورها اللائق في بناء السودان الجديد.

لقد كان هذا، في الأصل، مطلب القوى الحديثة عقب انتفاضة أبريل 1985، غير أن الواقع السياسي عهدذاك لم يُسعف بتحقيقه، لأسباب حفظتها كتب التاريخ. فلعل الله أن يجعل تحقيقه على أيدينا وأيديكم. وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

Exit mobile version