سُفور العَمالة في الساحة السياسية السودانية

خالد محمد أحمد

لم يعُد ارتهان عددٍ لا يُستهان به من الساسة السودانيين للخارج مجرَّد سلوكٍ هامشي أو حالاتٍ فردية تُسْتَدْعَى في سياق التراشق السياسي، بل تحوَّرت الظاهرة مع مرور الزمن وكثافة الأحداث إلى نمطٍ شِبه مُعلَنٍ يُمارَس بقدرٍ غير مسبوقٍ من الجرأة والوقاحة.

من السهل ردُّ هذه الظاهرة جزئيًا إلى ضعف التربية الوطنية، أو بالأحرى إلى الإهمال المزمن لإدماج قيم المواطنة والانتماء للبلد في المناهج الدراسية والأنشطة المجتمعية. غير ان هذا التفسير على وجاهته يبدو قاصرًا، فهؤلاء الساسة نشأوا في البيئة نفسها التي ترعرع فيها ملايين السودانيين الذين لم ينزلقوا إلى هذا المسلك.

تاريخيًا، لم تتبلور الدولة الحديثة في السودان ككيانٍ جامعٍ يعلو على الولاءات الصغرى؛ إذْ ظلَّت القبيلة، والجهة، والطائفة، والحزب، بل وحتى المصالح الشخصية، تتقدَّم على مفهوم “الوطن”. وفي مناخٍ كهذا، لا يُسْتغرَب أن يصبح النظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة، أو أداة، أو حتى عبئًا أمرًا مألوفًا ومقبولاً على المستويين النفسي والأخلاقي.

لا يمكن، في تقديري، فهم هذه الظاهرة من دون التوقُّف عند بُعدها النفسي؛ فبعض هذه الشخصيات ينطوي على مزيجٍ معقَّدٍ من النرجسية السياسية التي تُوهِم صاحبها باستحقاق السلطة بمعزلٍ عن الوسيلة. ويبدو أن كثيرًا من هؤلاء الساسة يتبنّون صراحةً أو ضمنًا مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”. غير أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الوسيلة وحدها، بل وفي طبيعة الغاية، التي غالبًا ما تنبع من حساباتٍ شخصية أو فئوية ضيقة.

وحين تسود الأنانية في دوائر العمل السياسي ويغيب المشروع الوطني الجامع، تتحوَّل السياسة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الشخصية وتحصيل المكاسب حتى لو كان ذلك على حساب الدولة نفسها.

وممَّا يؤسف له أن السياسة عند شريحةٍ مُعتبرة من المشتغلين بها من ساسةٍ وإعلاميين وغيرهم لم تعُد تعبيرًا عن رغبةٍ صادقة في خدمة الوطن أو الارتقاء بالمجتمع، بل تحوَّلت إلى وسيلة للنجاة وإدارة المصالح الشخصية وتأمين المستقبل الفردي. وعلى هذا الأساس، تُفهَم العَمالة كصمام أمانٍ؛ إذْ يبدو أن هؤلاء يرون أن الأوضاع في السودان شبه ميؤوسٍ من إصلاحها في المدى المنظور، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الداخل، بل في بناء علاقاتٍ خارجية ضامنة، وأن الحفاظ على الامتيازات الحالية أو تعويضها يتطلَّب الارتهان لقوى قادرة على الحماية والدعم. وبذلك، تتحوَّل العمالة إلى إستراتيجية تأمينٍ مزدوج؛ فإنْ استقرَّت الأوضاع في الداخل، عادوا ضمن المنتصرين أو المتكيِّفين، وإنْ انهارت، كانوا قد ضمنوا لأنفسهم ملاذًا آمنًا وحياةً مستقرة خارج السودان، ولو بثمنٍ وطني باهظ.

كما يحْضُر نمطٌ من التبرير الأخلاقي الذي يُعيد تأويل الخيانة باعتبارها “واقعية سياسية” أو “ذكاءً إستراتيجيًا” فيطمس الحدود بين البراغماتية السياسية المشروعة والخيانة الوطنية؛ فالسياسة بطبيعتها تٌتيح التعامل وبناء التحالفات مع الخارج، لكن المشكلة تكمن في أن هؤلاء لا يفهمون أنه لا يجوز للبراغماتية أن تتجاوز توظيف الخارج لخدمة مشروعٍ وطني، أمَّا ما نراه منهم فهو توظيف الوطن لخدمة أجندة الخارج. وما يزيد القلق أن هذا الارتهان قد يكون مدمرًا للدولة على المستوى الإستراتيجي، لكنه لا يشكِّل عائقًا أمام هؤلاء، لأن المعيار الحاكم لديهم هو تحقيق المكاسب الآنية، لا حماية المستقبل الوطني.

وممَّا يدعو إلى التأمُّل ويكشف عن فجوةٍ أخلاقيةٍ سحيقة أن نُناظِر سلوك هؤلاء بسلوك فئةٍ خرجت من رحم المجتمع ذاته، لكنها قدَّمت أرواحها رخيصةً في سبيل صون البلاد وسيادتها واستقرارها. ففي الوقت الذي جرَّدت فيه تلك الفئة نفسها من المصالح الضيقة وبذلت الغالي والنفيس، ينبرى آخرون للمساومة على السيادة، ومقايضة الاستقرار بالمكاسب، واختزال الوطن في مجرَّد فرصةٍ يجب اغتنامها.

ومن أعجب المفارقات أن يتوهًّم من يرتهن للخارج أنه يحظى باحترام القوى الخارجية التي يعمل لصالحها، فالتاريخ السياسي في السودان وخارجه يبرهن على نقيض ذلك؛ إذْ تتعامل هذه القوى مع أمثال هؤلاء باعتبارهم أدواتٍ مؤقتة، لا شركاء يُؤمَن جانبهم؛ فمَن يفرِّط في وطنه مرَّةً يظلُّ في نظر مُستخدميه قابلًا لاستمالة من يدفع أكثر. ولذلك، فإن العلاقة ليست علاقة ثقةٍ، بل علاقة توظيفٍ مشروط تنتهي بانتهاء الحاجة وتُطوَى بانقضاء الصلاحية. غير أن الوهم يرسخ لدى هؤلاء بأن الإفراط في الخيانة والتفنُّن فيها مدعاةٌ لتعزيز الحظوة، بينما هم في الحقيقة لا يزدادون إلا وضاعةً في نظر مُستخدميهم.

على أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرَّد وجودها، بل تطبيعها؛ فحين يُتاح للعميل العودة إلى المشهد السياسي بلا محاسبةٍ، بل والحصول على مناصب أو امتيازاتٍ، والتحدُّث في وسائل الإعلام باعتباره “فاعلًا مقبولًا”، فإن الرسالة الضمنية للمجتمع هي أن العَمالة لم تعُد خطيئةً سياسية، بل صارت خيارًا ضمن الخيارات المشروعة.

يمكن عزو هذا التطبيع إلى مجموعةٍ من العوامل المتشابكة، أبرزها ضعف المؤسسات العدلية، وغياب المساءلة، والاستقطاب السياسي الحاد، الذي يدفع كلَّ طرفٍ إلى غضِّ الطرف عن عَمالة حلفائه، إلى جانب الهشاشة الاقتصادية، التي تجعل بعض الفاعلين أكثر عُرضة للاستجابة للإغراءات المالية، وكثافة التدخلات الإقليمية والدولية، التي تفتح سوقًا شبه حرَّة لمقايضة الولاءات وعرض الخدمات.

ما نشهده اليوم ليس مجرَّد انحرافاتٍ فرديةٍ معزولة، بل هو عرضٌ لخللٍ أعمق في بنية الدولة والمجتمع السياسي. ولذلك، فإن معالجته لا يمكن أن تُختزَل في الإدانة الأخلاقية وحدها، بل تستدعي مقارباتٍ أعمق تجمع بين التحليل النفسي والدراسة السياسية، إلى جانب إعادة بناء مفهوم الوطنية على أسسٍ حديثة، وتأسيس منظومة مساءلةٍ حقيقية، وتجفيف البيئة التي تجعل الارتهان للخارج خيارًا مُغريًا ومقبولًا؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود العملاء، إذْ لا يخلو زمانٌ ولا مكان منهم، بل في تحوُّلهم إلى قاعدةٍ لا استثناء، وفي انزلاق الوطن نفسه إلى مجرَّد ساحةٍ مفتوحة لبيع الولاءات.

Exit mobile version