سدود إثيوبيا الجديدة.. هل يتكرر سيناريو النهضة أمام أعين القاهرة؟
Mazin
أحدثت تصريحات وزير الري الإثيوبي، هبتامو أيتفا، الأخيرة حالة واسعة من الجدل والقلق في الشارع المصري، بعدما تحدث بلغة أثارت حساسية بالغة لدى القاهرة حول قدرة بلاده على التحكم في تدفقات مياه نهر النيل المتجهة إلى مصر والسودان، مؤكدًا في الوقت ذاته اعتزام أديس أبابا المضي قدمًا في إنشاء سدود مائية إضافية على مجرى النهر، في إطار خطط قومية تستهدف توسيع نطاق الاستفادة الإثيوبية من الموارد المائية.
وجاءت تلك التصريحات، الصادرة في الخامس عشر من أغسطس/آب الجاري، في توقيت بالغ الحساسية، إذ قرأها البعض باعتبارها حلقة جديدة في السجال المصري–الإثيوبي المتصاعد، لا سيما عقب تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، في الرابع من الشهر ذاته، والتي أكد خلالها أن القاهرة تتابع عن كثب المخططات الإثيوبية المتعلقة بإنشاء سدود جديدة على نهر النيل، مشددًا على أن «الدولة المصرية لن تسمح بأي شيء آخر يحدث»، وذلك في أعقاب تقارير تحدثت عن خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة، بخلاف سد النهضة الذي بات إنجازه شبه مكتمل. ورغم أن مثل هذه التصريحات الإثيوبية، التي تنظر إليها القاهرة باعتبارها مستفزة ومثيرة للقلق، ليست جديدة على مسار الخلاف بين البلدين منذ بدء المفاوضات حول سد النهضة عام 2011، فإن قراءتها في سياقها السياسي والاستراتيجي الأوسع تكشف أن القضية ربما لم تعد تقتصر على الخلاف التقليدي بشأن سد بعينه، وإنما تمتد إلى صراع أكثر تعقيدًا يتعلق بمن يمتلك القدرة على إدارة النهر، ومن يملك فعليًا أدوات التحكم في توقيت وكميات تدفق مياهه إلى دول المصب.
ومن هنا تطرح تلك التصريحات في هذا التوقيت الحساس جملة من التساؤلات شديدة الأهمية: ما الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تحملها؟ وإلى أي مدى تعكس تحولًا في الرؤية الإثيوبية لإدارة مياه النيل؟ وهل تؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز أزمة سد النهضة إلى صراع أوسع حول النفوذ والسيطرة على الموارد المائية في حوض النيل؟
ما الدلالات؟ إذا ما قُرئت تلك التصريحات في سياقها الأعم والأشمل، فإنها تكشف عن حزمة من الدلالات المهمة، في مقدمتها السعي إلى تحويل سد النهضة من مجرد مشروع مائي أحادي إلى نموذج أوسع لإدارة النيل الأزرق والتحكم في تدفقاته، فالقلق المصري لم يعد مقتصرًا على نحو 74 مليار متر مكعب تمثل السعة التخزينية لخزان السد، بقدر ما يرتبط باحتمال أن يتحول سد النهضة إلى الحلقة الأولى ضمن سلسلة من السدود الإضافية التي تسعى أديس أبابا إلى إنشائها، بما يمنحها قدرة أكبر على تخزين المياه وإدارة توقيتات تصريفها نحو دولتي المصب، مصر والسودان.
ولا تكمن المشكلة بالنسبة إلى القاهرة في استفادة إثيوبيا من مياه النيل أو في إقامة مشروعات تنموية على مجراه، إذ إن ذلك يمثل حقًا مشروعًا لها، أقرته مصر كما تقره مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية، غير أن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في التحول التدريجي في الخطاب الإثيوبي من مقاربة تقوم على الاستفادة من المياه إلى مقاربة أخرى تتحدث صراحة أو ضمنًا عن التحكم في تدفقاتها إلى دول المصب.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة، لأنه لا يتعلق فقط بامتلاك بنية تحتية مائية ضخمة، وإنما بما قد يترتب عليها من قدرة فعلية على تحديد توقيتات تخزين المياه وإطلاقها وكمياتها، وهو ما يثير مخاوف مصرية من احتمال تحول النيل، في ظروف معينة، إلى ورقة نفوذ سياسي، لا سيما خلال سنوات الجفاف، حيث تصبح إدارة التدفقات أكثر حساسية وتعقيدًا، وهنا قد تواجه القاهرة ضغوطًا حقيقية إذا جرى توظيف التحكم في توقيتات تصريف المياه ضمن حسابات سياسية أو تفاوضية، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده بالكامل في ضوء العديد من الشواهد والمؤشرات التي تبرهن عليه.
3 سدود إضافية تُزيد القلق في مايو/أيار الماضي، كشفت بعض التقارير الدولية عن اعتزام أديس أبابا المضي في إنشاء ثلاثة سدود مائية جديدة على المجرى الأعلى للنيل الأزرق، في خطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بمستقبل إدارة تدفقات المياه في الحوض، يأتي في مقدمتها سد “كاردوبي”، وهو أحد المشروعات القديمة التي سبق طرحها ضمن الدراسات الإثيوبية من دون أن تدخل مرحلة التنفيذ حتى الآن، وتُقدَّر سعته التخزينية بنحو 40.2 مليار متر مكعب من المياه، فيما تصل قدرته التوليدية إلى نحو 1600 ميجاوات.
أما السد الثاني فهو سد “ماندايا”، الذي تقدر سعته التخزينية بنحو 49.2 مليار متر مكعب، مع قدرة على توليد الكهرباء تقترب من 2000 ميجاوات، ثم سد “بيكو”، الذي تقترب سعته التخزينية من 40 مليار متر مكعب من الميا، مع الوضع في الاعتبار عدم اكتمال الدراسات الفنية والتصميمات التنفيذية لتلك السدود حتى الآن.
ومن المتوقع أن تحتجز السدود الثلاثة المزمع إنشاؤها ما يقرب من 140 مليار متر مكعب من مياه النيل، إلى جانب نحو 74 مليار متر مكعب تمثل السعة التخزينية لسد النهضة، بما يرفع إجمالي السعات التخزينية النظرية للسدود الأربعة إلى قرابة 214 مليار متر مكعب من المياه، فيما تشير التقديرات إلى أنه في حال تشغيل السدود الأربعة بكامل طاقتها لأغراض توليد الكهرباء، فقد تواجه مصر نقصًا يقدر بنحو 14 مليار متر مكعب من المياه، أما في حال توظيفها في التوسع الزراعي والاستخدامات الاستهلاكية للمياه، فإن السيناريو يصبح أكثر حساسية، إذ قد يرتفع العجز المائي المصري، وفق تلك التقديرات، إلى نحو 19 مليار متر مكعب سنويًا.
ليست مفاجأة المثير في هذا الملف أن الحديث عن إنشاء سدود إثيوبية جديدة على النيل الأزرق ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى أكثر من عقدين، فقد أشار أستاذ التاريخ الحديث زكي البحيري، في كتابه «مصر ومشكلة مياه النيل: أزمة سد النهضة» الصادر عام 2016، إلى أن الحكومة المصرية كلّفت عام 2008 مجموعة استشارية كندية بدراسة السدود الإثيوبية المقترحة، وبدأ العمل فعليًا مطلع 2010.
وكشفت الدراسة آنذاك عن أربعة مشروعات كبرى هي: كاردوبي، وبيكو أبو، ومندايا، وسد الحدود الذي أصبح لاحقًا سد النهضة، مع سعات تخزينية إجمالية قُدرت بما بين 150 و200 مليار متر مكعب، وقدرات توليدية ضخمة تقترب من 9 آلاف ميجاوات.
وتقاطعت نتائج تلك الدراسات مع أبحاث مصرية ودولية لاحقة حذرت من التداعيات المحتملة لهذه المشروعات على دولتي المصب، حيث قدرت دراسة أمريكية لجامعة ديوك سعة سد مندايا بنحو 50 مليار متر مكعب، مع احتمال تراجع إنتاج كهرباء السد العالي خلال فترة الملء، بينما أشارت دراسات مصرية إلى أن سد بيكو أبو وحده قد يؤدي إلى عجز مائي ملحوظ خلال سنوات الملء. كما خلصت تقديرات أخرى إلى أن إنشاء السدود الأربعة وتشغيلها معًا قد يؤدي إلى عجز سنوي في حصة مصر يتراوح بين 8 و14 مليار متر مكعب في حال استخدامها لتوليد الكهرباء فقط، وقد يرتفع إلى نحو 19 مليار متر مكعب سنويًا إذا استُخدمت مياهها كذلك في التوسع الزراعي.
وتكشف هذه المعطيات أن السدود الإثيوبية ليست مجرد مشروعات منفصلة، بل تمثل جزءًا من رؤية تنموية واستراتيجية أوسع تسعى أديس أبابا من خلالها إلى توظيف مواردها المائية في إنتاج الطاقة، والتوسع الزراعي، وتعزيز نفوذها الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.
وقد أشار الباحث في جامعة أكسفورد، هنري فيرهوفن، إلى أن الطاقة الكهرومائية تمثل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإثيوبية للتحول الاقتصادي، إلى جانب تصدير الكهرباء لدول الجوار وتوسيع مساحات الزراعة المروية، وهو ما يفسر أسباب القلق المصري من عودة هذه المشروعات القديمة اليوم بصيغة تبدو أقرب إلى التنفيذ منها إلى مجرد الدراسة، فالأمر ليس مجرد مشروع مائي قدر ماهو محاولة لتعزيز نفوذ وترسيخ معادلة قوى إقليمية جديدة يكون نهر النيل بطلها وعاملها الأهم.
يناير لم تكن السبب الوحيد أعادت تصريحات وزير الري الإثيوبي الأخيرة فتح ملف المسؤولية التاريخية عن مسار سد النهضة، بالتزامن مع عودة بعض الأصوات الإعلامية القريبة من دوائر صنع القرار في مصر إلى تحميل ثورة يناير جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن تمكين إثيوبيا من الشروع في بناء السد، غير أن مراجعة التسلسل الزمني للملف، وما وثقته دراسات وكتابات سابقة، تكشف أن التخطيط الإثيوبي لإقامة سلسلة من السدود على النيل الأزرق سبق أحداث يناير 2011 بسنوات طويلة، بما يجعل اختزال الأزمة في الثورة وحدها قراءة منقوصة لتاريخ القضية ومسارها الحقيقي.
فبحسب ما أورده زكي البحيري في كتابه عن أزمة مياه النيل، كانت الدراسات المتعلقة بالسدود الإثيوبية الأربعة مطروحة قبل عام 2008، بل إن حكومة مبارك كلّفت بالفعل بإعداد دراسات متخصصة لرصد تلك المشروعات وتقييم انعكاساتها المحتملة على مصر والسودان، وأظهرت تلك الدراسات في حينها أن أديس أبابا تتعامل مع مشروعات السدود ضمن رؤية قومية أوسع، تتجاوز مجرد توليد الكهرباء إلى إعادة توظيف موارد النيل الأزرق في خدمة أهداف تنموية واستراتيجية طويلة المدى، ومن ثم، فإن القاهرة كانت على علم مبكر بطبيعة المخططات الإثيوبية وبحجم ما قد تحمله من تداعيات على الأمن المائي المصري.
وخلال الفترة من 2008 وحتى سقوط نظام مبارك في 2011، كانت التحركات الإثيوبية في ملف مياه النيل تتسارع بالتوازي مع نشاط دبلوماسي إقليمي ودولي واسع داخل دول الحوض، وفي هذا السياق، شهدت تلك السنوات تحركات إسرائيلية مكثفة في شرق أفريقيا ودول حوض النيل، من بينها جولة وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك أفيجدور ليبرمان عام 2009، إلى جانب توقيع اتفاقات تعاون مع عدد من دول المنطقة في مجالات متعددة، من بينها المياه والطاقة والزراعة، كما جاءت اتفاقية عنتيبي في مايو/أيار 2010 لتشكل نقطة تحول إضافية في الخلاف حول الإطار القانوني لتقاسم مياه النيل، بعدما انضمت إليها عدة دول من دول المنبع، وسط رفض مصري وسوداني لما اعتبرتاه مساسًا بحقوقهما ومصالحهما المائية.
ثم جاءت محطة مارس/آذار 2015 بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان، وهي الخطوة التي مثلت تحولًا مهمًا في إدارة القاهرة للملف، إذ أصبح سد النهضة بعد ذلك واقعًا سياسيًا وقانونيًا أكثر رسوخًا على المستوى الإقليمي والدولي، وعلى مدار السنوات التالية استمرت المفاوضات دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، بينما واصلت إثيوبيا أعمال البناء والملء بصورة متدرجة حتى أصبح السد أمرًا واقعًا مكتمل الأركان إلى حد بعيد.
ومن هنا، فإن تحميل ثورة يناير وحدها مسؤولية بناء سد النهضة يبدو محاولة للبحث عن شماعة جاهزة لتعليق الفشل، وقفزًا على معالجة الأسباب الحقيقية، واختزالًا مخلًا لمسار امتد لسنوات طويلة وشارك في تشكيله أكثر من عهد وأكثر من قرار سياسي، فالأزمة سبقت الثورة، واستمرت بعدها، وتراكمت خلالها أخطاء في التقدير وإدارة الملف، بدءًا من السنوات الأخيرة لعهد مبارك، مرورًا بالمرحلة الانتقالية، ووصولًا إلى سنوات المفاوضات اللاحقة التي لم تنجح في منع إثيوبيا من تحويل مشروع ظل لعقود في إطار التصورات والدراسات إلى واقع قائم على الأرض، يضع حياة الملايين من المصريين على المحك.
القاهرة في مأزق المقلق في هذا السياق أن جانبًا من ردود الفعل المصرية، سواء الصادرة عن مسؤولين سابقين أو خبراء متخصصين في ملف المياه، لم يتعامل مع التصريحات الإثيوبية باعتبارها مؤشرًا يستوجب قدرًا أكبر من الحذر، وإنما جرى وضعها في إطار الاستفزاز السياسي والدعاية الإعلامية، حيث وصف وزير الري الأسبق محمد نصر علام ما صدر عن أديس أبابا بأنه مجرد «مشاغبات مع مصر»، بينما قلل خبير الموارد المائية نادر نور الدين من أهمية هذه التصريحات، معتبرًا أن تضخيمها يمنحها وزنًا سياسيًا يفوق حقيقتها، وداعيًا إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بمحاولات الاستفزاز. وفي الاتجاه ذاته، استند هذا الطرح – كالعادة- إلى أن البيئة الإقليمية التي أحاطت ببدء إنشاء سد النهضة عام 2011 لم تعد قائمة بالصورة نفسها، وأن القاهرة باتت تمتلك اليوم أوراقًا سياسية واستراتيجية أوسع، خصوصًا مع تنامي حضورها في منطقة القرن الأفريقي وتحركاتها في كل من الصومال وإريتريا، غير أن المبالغة في الاطمئنان إلى تلك الأوراق قد تحمل بدورها قدرًا من المخاطرة، لأن امتلاك أدوات ضغط إقليمية لا يعني بالضرورة القدرة على وقف مشروعات مائية كبرى إذا انتقلت بالفعل من مرحلة الدراسة والتخطيط إلى التنفيذ.
وهنا تحديدًا تبرز المقارنة مع تجربة سد النهضة، الذي قوبل في بداياته بقدر من التقليل من حجمه وتأثيره، بالتوازي مع التأكيد المستمر على قوة الموقف المصري وقدرته التفاوضية، قبل أن يتحول المشروع تدريجيًا إلى واقع قائم، ومن ثم يطرح الإعلان عن سدود إضافية سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل تستفيد القاهرة من دروس تجربة سد النهضة وتتعامل مع المؤشرات الحالية باعتبارها إنذارًا مبكرًا يستوجب تحركًا استباقيًا، أم تستمر المقاربة التفاوضية ذاتها إلى أن تتحول المشروعات الثلاثة الجديدة بدورها من مجرد خطط على الورق إلى منشآت قائمة تفرض واقعًا جديدًا على الأمن المائي المصري؟