زلزال “الذهب الأبيض”: من كواليس “محاكمة القرن” إلى ثورة الاستقلال لمزارعي الجزيرة ج1

بقلم : د. عبد الجبار حسين عثمان

كسرة :: نصيحة ثانية للسيد مدير شركة الاقطان ارجو قطع دابر الشركات التي تم تاسيسها مع شركة الاقطان والتي من خلالها يتم تمرير الفساد علما ان شركة الاقطان تمتلك فيها اسهم لاحكام التغطية – الشركات هي – شركة متكوت للتجارة العالمية المحدودة ، شركة بالكان (Balkan) التركية. شركة دبي كوتون (Dubai Cotton):.

حرّكت قلمي وذكرياتي المرة مع شركة الاقطان الصحفية رشان أوشي رئيسة تحرير سودان مورنينغ وصاحبة التحقيقات الجريئة ، نشرت رشان أوشي مؤخراً سلسلة تحقيقات استقصائية عاصفة في مايو 2026 بعنوان “خيوط الأقطان المتشابكة”. فككت فيها كواليس الفساد المستمر داخل شركة السودان للأقطان وعقودها المريبة مع شركة “متكوت” وشخصيات النظام السابق. أقدم لكم هذه الذكريات التي لم يسمع بها احد قبل هذا واقدم مقترحات قوية لمزارعي الجزيرة والمناقل بكل صدق وجرأة وانتم تعرفونني جيدا.

وقاحة الإفساد خلف قناع التدين.. حين عُرضت عليّ الرشوة داخل المسجد!

لا يمكن لمن شهد تفاصيل “محاكمة القرن” في السودان من الداخل أن ينسى مرارة المشهد، ولا يمكن لملفات التاريخ أن تطوي واحدة من أبشع عمليات السطو الممنهج على عَرَق مزارعي الجزيرة والمناقل ومزارعي مشروع الرهد الزرعي ومزارعي حلفا الجديدة . أكتب هذه السطور بصفتي شاهداً عَاصر الأحداث خطوة بخطوة، حين تم استدعائي كشاهد إتهام رئيس في تلك القضية التاريخية الكبرى لتهتز تحت شهادتي أركان الفساد.
أتذكر ذلك الصباح جيداً؛ حين دلفتُ مبكراً إلى قاعة المحكمة قبل أن تبدأ الجلسة العاصفة. جلست حينها مع ممثل وزارة العدل—الذي كان يمثل الشاكي في القضية—واتفقنا بدقة على حزمة الأسئلة التي سيطرحها عليّ، ورسمنا معاً سيناريوهات الأسئلة المضادة التي سيوجهها لي محامو الدفاع عن المتهمين؛ المتهم الأول المدير العام لشركة الأقطان (د. عابدين محمد علي)، والمتهم الثاني (محيي الدين عثمان) الشخصية الشهيرة في أروقة السودان بقضايا الفساد، وعلى رأسها قضية “التاكسي التعاوني” الأليمة.
وقفت يومها أمام المحكمة بصفتي الدستورية أميناً عاماً للأمانة العامة للنهضة الزراعية، ومن صميم اختصاصاتي تتبع صرف الأموال الصادرة من وزارة المالية للقطاع الزراعي. وكشفت للمحكمة بالأدلة الدامغة والمستندات القاطعة كيف تلتف إدارة شركة الأقطان على التمويل السنوي البالغ 55 مليون دولار—المخصص لشراء المحالج والجرارات ومدخلات الانتاج الاخري من الخيش تعبئة القطن والاسمدة لمساعدة المزارع المسكين—لتمرره فوراً إلى حسابات شركات خاصة و”شقيقة” مثل شركة “متكوت” التي يمتلكونها كواجهة للاستيراد، لتتحول الأموال العامة إلى أموال خاصة، وتُباع المدخلات للمزارع بأسعار مضخمة تقصم ظهره. وقلت للقاضي بثبات: “إن هذا تحويل قذر لمال عام إلى مال خاص”.
لكن المشهد الصادم الذي لم يرويه أحد من قبل، حدث عندما رفع القاضي الجلسة لصلاة الظهر. خرجنا مع الحضور الغفير والمتهمين إلى المسجد المجاور لقاعة المحكمة، وهناك، وفي دهشتي العارمة، رأيتُ المتهم محيي الدين عثمان يأخذ بيدي ضاحكاً وبكل وقاحة وجرأة لم أرَ مثلها في حياتي، قال لي: “ده كلام فارغ.. المحكمة دي ما بتعمل شيء! وخليك يا دكتور عبد الجبار من كل هذا.. مش أنت اللي حركت القضية دي؟ أنا مستعد أعطيك 6% عمولة من كل طلب تمويل يريده أي شخص، وأقدر أوفر تمويل عاجل من فرع بنك ABC بجنوب أفريقيا ومقره في نيروبي!”
لم أتمالك أعصابي من هذه الجسارة؛ متهم محبوس وفي ذمة الشرطة والمحاكمة، ويجرؤ على عرض رشوة على مسؤول حكومي داخل بيت الله! كانت مفارقة مخزية؛ فالرجل الذي يعرض الرشوة يرتدي مسوح التدين الظاهري؛ لحية طويلة جداً، لباس قصير، وعلامة صلاة بارزة على جبهته! والتفتَ إليّ قائلاً بتهكم: “يا عبد الجبار أنتم مساكين.. أنا الآن بشتغل وبدير البيزنس بتاعي بالدولار من داخل محبسي، ونشوف مين اللي هيخسر!”.

لكن الحمد لله، كان القاضي نزيهاً وسطر أحكاماً تاريخية بالسجن لسنوات طوال ورد المليارات المنهوبة. إلا أن أخطبوط الفساد لم يستسلم؛ فلجأوا للاستئناف أمام المحكمة العليا ثم المحكمة الدستورية ، وهناك امتدت أموالهم الفاسدة لتصل إلى رأس السلطة القضائية، حيث نجحوا في تقديم رشوة مالية لـ رئيس المحكمة الدستورية بالسودان الذي مال إليهم وضيع الأمانة، قبل أن يفتضح أمره ويُجبر على تقديم استقالته من منصبه الرفيع أبريل عام 2014 في مشهد خذلان تاريخي للقضاء
للاتصال 96878491502+

Exit mobile version