عبدالعزيز يعقوب- فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
١٨ فبراير ٢٠٢٦
لا يأتي رمضان ليُعيد ترتيب موائدنا، بل ليُربك يقيننا الكسول. لا يزورنا ليُبدّل عادات الطعام، بل ليضع أخلاقنا موضع السؤال. هو شهر لا يهادن، ولا يُجامل، ولا يكتفي بالمظاهر. شهرٌ إن مرّ دون أن يترك أثرًا في السلوك والنفس، فقد مرّ عبئًا و عبثًا، مهما ازدحمت لياليه بالقيام، وتزيّنت أيامه بالصيام.
لقد اعتدنا أن نُفرغ الصيام من مضمونه، وأن نختصره في الامتناع عن الطعام والشراب، كأن المقصود معدة جائعة لا نفس مهذّبة. والحقيقة أن الجوع ليس غاية، بل أداة، وأن العطش ليس مقصدًا، بل طريق. أما الغاية الحقيقية فهي إصلاح الإنسان من الداخل، تهذيب الشهوة، وتقويم الضمير،و ترقيق القلوب وزيادة الشكيمة والصبر، وإعادة ترتيب العلاقة بين ما نؤمن به وما نمارسه.
رمضان هو الشهر الذي لا يُراقَب فيه الجسد، بل تُختبر فيه الأخلاق. لا يُسأل الإنسان عمّا تركه نهارًا، بل عمّا حمله في قلبه وسلوكه ليلًا.
هل رقّت طباعنا بعد خشونتها؟
هل خفّت حدّة كلماتنا بعد اندفاعها؟
هل صرنا أبطأ غضبًا، وأسرع عفوًا؟
هل اصبحنا اكثر رحمة وتسامح فيما بيننا؟
أم اكتفينا بأن نُجوِّع الجسد، وتركنا القسوة تنمو في القلب كما كانت؟ أم اكتفينا بتأجيل عاداتنا الرديئة إلى ما بعد المغرب؟
في أخلاق النبوة لم يكن الصيام عزلةً عن الحياة، بل عودًا بها إلى أصلها النقي؛ ولهذا ربط النبي ﷺ الصيام بالسلوك ربطًا حاسمًا حين قال:
«من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
كلماتٌ تهزّ ظاهر العبادة حتى تعود إلى جوهرها، أن يكون الخُلُق هو الثمرة. فما جدوى جوعٍ لا يمنع ظلمًا؟ وما قيمة عطشٍ لا يُطفئ نار الأذى في القلب واليد واللسان؟
الإصلاح الذاتي في رمضان ليس حالة وجدانية عابرة، ولا لحظة بكاء تنتهي بانتهاء الدعاء، بل مراجعة صادقة للمسار؛ فالفساد الذي نلعنه في السياسة والإدارة ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم تنازلات فردية صغيرة، صامتة، ومبرَّرة. كل كذبة عابرة، وكل أمانة مُهدرة، وكل تقصير مُسوَّغ، كانت لبنة في بناء أعوج. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القمة وحدها، بل يبدأ من الضمير الفردي.
نبدأ باللسان، لأنه أخطر ما في الإنسان. الكذب الذي نُسمّيه مجاملة، والالتفاف والفهلوة التي نُسمّيها ذكاءً، والتضليل المقصود الذي نُلبسه ثوب “الضرورة”؛ كل ذلك ليس حنكة حياة، بل تآكل بطيء في الضمير. ورمضان جاء ليوقف هذا الانحدار، لا ليمنحه شرعية دينية.
ثم تأتي الأمانة، تلك القيمة التي انهارت بصمت، الأمانة في العمل، في الوقت، في المسؤولية العامة. كم من صائمٍ يُمسك عن الطعام، ولا يُمسك عن التقصير في أداء عمله؟ وكم من قائمٍ يطيل الصلاة، ثم يُفرّغ وظيفته من معناها؟ في أخلاق النبوة لم يكن هناك فصل بين العبادة والإتقان في العمل؛ فإضاعة الأمانة نقضٌ لروح الصيام، وإن بقي اسمه.
ويمتد الإصلاح الذاتي إلى المال، لأنه الميدان الذي تنكشف فيه الأخلاق بلا رتوش. الغش ليس مخالفة تجارية فحسب، بل كسرٌ لعقد الثقة بين الإنسان ونفسه قبل أن يكون مع الآخرين. والرشوة ليست جريمة قانونية فقط، بل إعلان إفلاس أخلاقي. في ميزان النبوة كان العدل في السوق عبادة، وكان الميزان المستقيم صلاةً صامتة.
رمضان لا يقبل هذا الانفصام المريح الذي اعتدناه أن نكون أتقياء في المساجد، قساة في المعاملات؛ أن نُكثر من الذكر ونُقلّ من الرحمة. لأن الصيام شُرع ليُعيد الإنسان إلى إنسانيته، لا ليُجمّل قسوته.
ولا يكتمل الإصلاح الذاتي دون إصلاح علاقتنا بالناس، بالجار الذي نحفظ اسمه ونجهل وجعه، بالطريق الذي نملؤه بالأوساخ والأذى ثم نلعن الواقع، بالضعيف الذي نتجاوزه لأننا “مشغولون”. أما في أخلاق النبوة، فكان رفع الأذى عبادة، وكان تفقد الناس دينًا حيًّا لا شعارًا.
رمضان يُدرّب الإنسان على قيمة مركزية و هي ضبط النفس. النفس التي تتعلم وتستطيع أن تقول “لا” لشهوتها، تستطيع أن تقول “لا” للظلم، و“لا” للرشوة، و“لا” للخيانة. ومن لم ينتصر على نفسه في صغائرها، لن ينتصر عليها حين تتضخمالإغراءات.
أخلاق النبوة قدّمت نموذج الإنسان الحر من الداخل: لا يكذب لأنه لا يريد الكذب، لا لأنه خائف؛ ولا يظلم لأنه يرفض الظلم، لا لأنه مُراقَب. هذا الإنسان، حين يُعطى سلطة، يعدل؛ وحين يُعطى مالًا، يُؤتمن؛ وحين يُختبر، يثبت. وبه وحده تُبنى الدول قبل أن تُدار.
رمضان ليس شهراً للحياد الأخلاقي، بل شهراً للانحياز الواضح للصدق مهما كان مكلفًا، وللعدل مهما كان متعبًا، وللأمانة مهما بدت وحيدة وللعمل الجإد مهما كان أجره زهيدا. وكل حياد في هذه القيم هو انحياز مستتر للفساد.
رمضان يريد إنسانًا مختلفًا؛ إنسانًا أصلح نفسه قبل أن يُدين غيره، وقوّم سلوكه قبل أن يلعن الواقع، وحمل أخلاق النبوة في تفاصيل حياته اليومية، لا في خطاباته الموسمية. فإن خرجنا من هذا الشهر وألسنتنا أقل كذبًا، وقلوبنا أقل قسوة، وجوارحنا أنقى سلوكًا، فقد أدركنا معنى الصيام. أما إن خرجنا كما دخلنا، فقد جُعنا كثيرًا، وأضعنا فرصة نادرة لأن نكون أفضل.
رمضان لا ينتهي عند العيد، بل يبدأ بعده.
هناك فقط يُختبر صدق الصيام،
وهناك يُعرف من صام… ومن جاع.