رسالة في بريد د.النور حمد ود.محمد جلال هاشم يجدهم وأهلهم بخير..

د.ناهد محمد الحسن
في لحظات الانكسار الكبرى، لا ينقسم المجتمع فقط بين سلاحين، بل بين سرديتين تبحث كل واحدة منهما عن معنى يحميها من الفوضى. كثيرون اصطفّوا لا حبًا في الحرب، ولا افتتانًا بالقوة، وإنما خوفًا من الضياع.. ضياع الحلم وضياع الوطن..الخوف هنا ليس عيبًا، بل تجربة إنسانية مشتركة. غير أن الخطر يبدأ حين يتحوّل هذا الخوف إلى خطاب، والخطاب إلى تبرير، والتبرير إلى فقدان للمسافة النقدية.
من انحازوا إلى “الدولة” فعلوا ذلك لأنهم رأوا فيها آخر ما تبقّى من فكرة الوطن. دولة بجيش، بحدود، بذاكرة مؤسسات. رأوا انهيارها بوصفه فتحًا لباب لا قاع له. هذا الإحساس مفهوم. لا أحد يريد أن يعيش في فراغ سيادي. غير أن الدفاع عن الدولة تحوّل، عند كثيرين، إلى دفاع عن شكلها القائم دون مساءلة بنيتها. جرى الخلط بين الدولة كمفهوم جامع، والمؤسسة العسكرية كفاعل سياسي واقتصادي. اختفى السؤال عن الاقتصاد العسكري. غاب النقاش حول علاقة الدولة بالمجتمع. صارت السيادة ذريعة لتأجيل العدالة، والوحدة مبررًا للصمت عن الامتيازات. هنا، لا يعود المثقف حارسًا للفكرة، بل حارسًا للوضع القائم.
في الجهة الأخرى، انحاز من انحازوا ضد الجيش بدافع تجربة تاريخية مثقلة بالإقصاء. رأوا في المركز سلطة لم تعترف بهم. في الحرب، تخيّل بعضهم أن التوازن القديم يمكن كسره. هذا الإحساس مفهوم كذلك. لا مجتمع يقبل أن يُهمَّش إلى الأبد. غير أن رفض الدولة القديمة انزلق، عند البعض، إلى تبرير عنف جديد. جرى اختزال الدولة في الجيش. أُهمل سؤال الاقتصاد المسلح. صمت الخطاب عن الجرائم بدعوى الضرورة التاريخية. هنا أيضًا، يفقد المثقف موقعه النقدي. يتحوّل إلى مسوّغ لا إلى كاشف.
الجامع بين المعسكرين ليس النية، بل النتيجة. في الحالتين، تراجعت وظيفة المثقف بوصفه من يكشف البنية، لا من يجمّلها. صارت الكتابة جزءًا من الحرب الرمزية. كل سردية تحمي ذاتها أخلاقيًا، وتؤجل الأسئلة الصعبة. ومع تأجيل الأسئلة، يتآكل المعنى. حينها، تبدو السياسة كأنها قدر لا يُقاوَم.
ما الذي نحتاجه إذن؟ ليس دعوة رومانسية إلى الحياد. الحياد في زمن المجازر تواطؤ. ما نحتاجه هو استعادة المسافة النقدية دون التخلي عن الانحياز للإنسان. أن نفهم دوافع الاصطفاف دون أن نحبس أنفسنا داخله. أن نقول بوضوح إن الخوف مشروع، لكن تحويله إلى خطاب مغلق يعطّل الفعل.
التحوّل يبدأ حين ننقل النقاش من سؤال الشرعية إلى سؤال الوظيفة. ماذا نريد من الدولة؟ من تحمي؟ كيف تُدار مواردها؟ من يحتكر العنف فيها؟ كيف يُحاسَب؟ هذه أسئلة لا تُجيب عنها البنادق. يجيب عنها عقد اجتماعي يُكتب من الألم لا من الغلبة.
العقد الاجتماعي الجديد لا يولد من بيانات النخب، ولا من غرف التفاوض وحدها. يولد حين تتحول الذاكرة من وقود تعبئة إلى مادة تفاهم. حين يُعترف بالأذى دون تحويله إلى رخصة انتقام. حين تُعاد السياسة إلى المدنيين، لا كشعار، بل كقواعد واضحة لإدارة الخلاف. حين يُفصل السلاح عن الاقتصاد، وتُعاد الموارد إلى المجال العام، ويُبنى جيش مهني يخضع لرقابة مدنية، وتُصان الكرامة بوصفها أساس المواطنة.
هنا يستعيد المثقف دوره الحقيقي. ليس قائدًا أخلاقيًا يوزّع شهادات البراءة، ولا مهندس صفقات. دوره الترجمة. ترجمة الخوف إلى مطالب. ترجمة الغضب إلى قواعد. ترجمة التجربة إلى نص مؤسس. أن يرفض الابتزاز الثنائي الذي يقول: إمّا دولة الجيش أو فوضى المليشيا. أن يفتح أفقًا ثالثًا يُسمّي الأشياء بأسمائها دون شيطنة، ويضع يدًا على الجرح دون تشفٍّ.
لسنا بحاجة إلى مثقف يقف فوق المجتمع، بل إلى مثقف يقف معه، خطوة إلى الخلف من الاصطفاف، خطوة إلى الأمام نحو المعنى. حينها فقط، تتحول الكتابة من سلاح رمزي إلى أداة بناء. حينها فقط، يصبح العقد الاجتماعي ممكنًا، لا بوصفه وثيقة مثالية، بل بوصفه اتفاقًا شجاعًا على ما نريده معًا، وما لن نقبل بتكراره أبدًا.
اريد بهذا ان ابتدر حوارا مع المثقفين الذين يصطفون على الجانبين..عن دورهم في بناء السلام..ورأب صدع الوطن..و عن تصورهم لعقد اجتماعي جديد..يفكك البنية التي انتجت الحرب من دولة 56 الى يومنا..ويكتب الوطن كما نريده جميعا..دون ان يقفز على الجرح ولا على الالم..و اخص من بينهم..د.النور حمد ود.محمد جلال هاشم..وكلاهما له في خدمة الشعب عرق..
خاتمة:
التلب اللزوم مدخور يشيل العايلة
يقدل بي مهل فوقه الحمولة الهايلة
(العبادي)



