رحم الله أحمد كمال الدين

كتب ـ بروفسور عثمان أبوزيد
كنتُ ألمَس في شخصية أحمد كمال الدين مؤثراتٍ فنية جمالية لا أعرف لها تفسيرًا؛ إلى أن سمعت منه أن رغبته الأولى في الدراسة كانت الفنون الجميلة، وأنه قضى بالفعل بضعة أشهر في كلية الفنون الجميلة. غير أنه تحت ضغط الأهل تركها للعمل بالتدريس، ثم التحق بكلية القانون بجامعة الخرطوم.
التقيت به أول مرة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية عام 1980، وكان بيتُهم في (غبيرة) ملاذًا لنا، حيث يأوي جمعًا من الشباب القادمين للعمل في أول الطفرة النفطية في الخليج. لم يلبث أن غادرنا بعد عامين إلى بريطانيا ليلتحق بوكالة الصحافة الإسلامية، وهو مشروع صحفي طموح للسعودي محمد صلاح الدين، لكنه انصرف منها لينتظم في دراسة ماجستير الاقتصاد السياسي في ليدز، ويتعاون مع مجلة الغرباء التي كان يحررها ويُخرجها وحده.
عاد إلى السودان عام 1989 ليعمل في الصحافة، فأنشأ صحيفة أسبوعية سماها (دارفور الجديدة). لم يكن هذا أول عهده بالصحافة السودانية إذ عمل متعاونًا مع مجلة (سوداناو) وهو طالب في جامعة الخرطوم. ولعل هذه الخبرة المبكرة هي التي أهلته ليكون رئيسًا لتحرير مجلة (سوداناو) عندما أضيفت المجلة لشركة السودان للطباعة والنشر فيما بعد. هذه الشركة الحكومية التي أصدرت (سودان هورايزون)، وصحيفة المخبر اليومية.
دخل مجلس الصحافة عضوًا في الدورة نفسها التي أصبحت فيها أمينًا عامًا للمجلس، وظلَّ يعمل بشغف ومثابرة ليكون من أكثر الفاعلين فيه، وهو صاحب فكرة امتحان مهنة الصحافة على غرار امتحان مهنة القانون. وكنتُ أقود داخل المجلس رأيًا معارضًا لهذا الامتحان باعتبار أن الترخيص المهني في مجال مثل الصحافة لا لزوم له، وأن الجامعات تؤهل لهذه المهنة. ولكن جاء الرأي الغالب بإقرار امتحان السجل الصحفي كما سميناه أو (القيد الصحفي) بالتعبير الشائع، ومن بعد سماه بعض الممتَحنين “قيد أبوزيد”!
كان أحمد كمال الدين متميزًا بلغته، إلى جانب جمعه بين الفن الإخراجي والتحرير الصحفي وتخصصه في القانون والاقتصاد، وبذلك استحق وصف الصحفي الشامل. وبمناسبة ذكر (التحرير الصحفي)، أتذكر النقاش الدائب معه عند كتابة تقاريره ونصوصه للمجلس واستخدامه كلمة (صحافي)، وكنت أوثر استخدام (صحفي)، بحجة أن يتسق الأسلوب ولا يكون مرة (صحافي) وأخرى (صحفي)، فيقول لي: لماذا لا نحتكم إلى رئيس المجمع اللغوي، وننزل عند رأيه. كتبنا إلى البروفيسور عبد الله الطيب رئيس المجمع فجاءنا منه رد رصين لا يرى بأسًا من القول بصحفي أو صحافي، ولعله أوصى بأن النسب صحافي قد يبتعد بنا عن لفظٍ ربما عدَّه الأقدمون قرينًا بعيب (التصحيف)، وقيل في ذلك: “لا تأخذ العلم من صَحَفي ولا القرآن من مصحفي”.
استمرت الصلة بأحمد كمال الدين صلةً وثيقة حتى بعد تركه الصحافة وافتتاحه مكتب محاماة، ثم استمرت وهو في البحرين زهاء ربع قرن من الزمان.
وكانت ليالي الخيف من مِنَى أجمل أيام لقاءاتنا، عندما حلَّ ضيفًا في الحج عام 2018، ويومها عِشت معه لحظات تلقيه الخبر بوفاة والدته، وكان في تلك السنوات يرفدنا بمقالات رصينة بالإنجليزية.
أما أجود ما كان يأتينا منه، فهو التعليق المفيد على صفحاتي، ذلك التعليق الذي تميز دائما بالتركيز العميق والتفكير خارج الصندوق كما يقولون.
نفتقد الأخ والصديق أحمد كمال الدين. نرجو ألا ينطفئ برحيله حلم دارفور الجديدة… كلانا يا أخي يرنو لذاك الكوكب الأروع!
نتفاءل برغم الآلام بالوعد المؤجل. أسائل نفسي: تُرى إلى أي حد كانت آلام فقيدنا الغالي وهو يشهد نكبة الفاشر مسقط رأسه؟
إن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلنصبر ولنحتسب. إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم ارحمه واغفر له.



