د التجاني عبدالقادر : ثلمة في سيف مجاهدتنا جحافل التتار ومنافحة احلام اخواننا الصغار
Mazin
صديق محمد عثمان
قابلته ذات مرة عند بدايات المفاصلة يمشي راجلا من امتداد ناصر حاملا كعادته حقيبة صغيرة قاصدا منزل الشيخ الترابي، عندما وصلنا امام المنزل داعبته ( ارفع راسك وابتسم للكاميرات ) ضحك وهو يقول لي ( لا اظن عندهم الطاقة التخزينية الكافية لمثل هذه المراقبة ).
عاد د. تجاني إلى الخرطوم اول التسعينات فاستوحش الفضاء الافتراضي الذي كان يعرفه باسم التنظيم والحركة ورغم انه انتظم في وظيفة التدريس فقد كان هناك شيء ما في الفضاء . اذكر انه وقتها كان يحاول الاستقرار فقام باستئجار منزل ثم شقة وكنت كلما ذهبت اليه في امر وجدته يجلس وسط صناديق الكتب وأكوام من عفش منزله لا تزال في عدة الانتقال والترحال ، فكنت أداعبه يا دكتور يا اخي انت عامل زي عمال لقيط القطن عندنا في الجزيرة .
الفرق بين تجاني وسيف الدين محمداحمد ان الاخير كانت لديه مقدرة فائقة على تجاهل الفوضى حوله والدخول في بالون افتراضي عازل يشبه المعبد ينهمك داخله بانتاج أفكاره ثم الخروج منه فيما يشبه خروج الشيخ الصوفي إلى ساحة الذكر . هكذا استطاع سيف الدين ان ينفذ إلى دائرة ومطبخ القرار في انقلاب الإنقاذ ولا يهتم بالفوضى العارمة التي كانت تضرب مطابخها التنظيمية والتنفيذية على حد سواء. كان سيف الدين أشبهنا جميعا بشيخ حسن في هذا اذ كان يستطيع الدخول بيننا والجلوس معنا في مستنقع الفوضى دون أن تتسخ ملابسه !!
كنت اذا دخلت إلى المطبخ التنظيمي الذي كان يدير امر الانقلاب والبلد وجدت سيف الدين متكوما على الارض وقد افترش مجموعة من المساند وهو يعمل على كومة من الاوراق في ذات الوقت الذي تجلس فيه مجموعات اخرى في اركان المكان بين عبدالله حسن احمد وعوض الجاز وعم يسن، إذا سلمت عليه بالكاد يمد لك يده دون ان ينبت فمه برد السلام وانما بسؤال عن تفاصيل لا يجد لها تفسيرا في كومة الاوراق او طلب ان تنخرط معه في ما هو فيه من محاولة صناعة الشربات من فسيخ الاوراق !!
د التجاني كان اقرب إلى احمد عثمان مكي يبحث عن تنظيم المكان وترتيبه قبل الجلوس لانتاج الافكار ، ورغما عن ذلك فقد استجاب لملاحقاتنا له وكان كثيرا ما يطلب مكانا هادئا ( إذا عايرني انجز ليك ورقك ده يا اخوي رتب لي مكان وتعال لي بكرة بعد الدوام في الجامعة وديني احبسني فيه باقي المساء وانا أوعدك ما اطلع قبل ما انجز ليك ) وكان فعلا يفعل بفعالية عالية ولكن الكثيرين لم يكونوا على استعداد لمنحه حسن الظن وسعة التفهم لظروف الانتقال من العالم الغربي حيث كل اسباب الحياة الاخرى متوفرة ومرتبة كما صممها اسيادها للعبيد الذين يريدون منهم الخدمة بدلا عن الانشغال في توفير الكهرباء والمياه ووسائل المواصلات والاتصال.
جاء تجاني إلى الخرطوم اوائل التسعينات في ظروف بالغة التعقيد وقد انتهت ازماتها السياسية بانقلاب عسكري لم يقلب السلطة فحسب وانما قلب التنظيم والحركة التي كان تجاني يعرفها راسا على عقب ( hence) مصطلح (اخواننا الصغار ) الذي صكه لاحقا بعد خروجه من السودان وهو ملاحظة دقيقة جدا من عالم اجتماع مثله. كنت أنا حينها احد هولاء ( الصغار ) الذين وجدوا انفسهم يديرون شوونا كبيرة جدا في البلد ولم انتبه لذلك إلا بعد خروجي من السودان ١٩٩٣ وعودتي ١٩٩٨ حينما وجدت ان الجميع قد صار ( شيخا ) !!
علاوة على فروقات المكان والجغرافيا والزمان فقد عاد تجاني للخرطوم والحركة الإسلامية في حال انتقال لم تعهده من قبل وهو انتقال معقد جدا لانه متعدد ومتشابك في ذات الوقت !! كانت الحركة الإسلامية تعي بانها تقدم على انتقال يلقي على اكتافها مسوولية تطوير المشروع السياسي الإسلامي إلى مرحلة متقدمة لم تصل اليها اي حركة اسلامية اخرى ، وفي هذا كانت قيادة الحركة تدرك ان جهودها السياسية والفكرية والفقهية ومحاولاتها السابقة دفع وتطوير مشروع الصحوة والتجديد الاسلامي، قد اصبحت الان واقعا كبيرا وتكليفا عظيما عليها وقد تقدمت بحركتها فراسخ كبيرة، فكان عليها استصحاب تيارات العمل الإسلامي من ماليزيا إلى واشنطن وتهيئتها قبل الانقلاب وخلاله وبعده ومحاولة دفعها دفعات كبيرة ومعقدة وصعبة ليس في تصوراتها الفكرية والفقهية وحسب وانما في علاقاتها بحكوماتها وواقعها السياسي المحلي . وفي ذات الوقت الاستعداد للإقبال الكبير عليها من تنظيمات العمل السياسي القومي العروبي واليساري. داخليا كان الانقلاب انتقالا من علاقة الوفاق المشوب بالتوجس والحذر مع حزبي الامة والاتحادي إلى علاقة مواجهة عنيفة يحتاج الخروج منها والعودة حتى الى حال التوجس والحذر ، إلى معجزة. في هذا الظرف الدقيق عاد تجاني إلى الخرطوم مثل عودة احمد عثمان مكي بعد سقوط مايو، فاستقبلته تيارات الحركة والتنظيم كل واحد يقدم له فورمات الالتحاق به بشروطها ومزاياها وكان ذلك مدخل الصدمة حتى لعالم مثله صقل معرفته السابقة بتحديات التنظيم الإسلامي بالدراسة والبحث والخبرة بالعالم الغربي!! وهي صدمة لم تنتهي بخروج تجاني الثاني من السودان اذ لاحقته مطالبات الانتماء إلى ماليزيا والخليج وهي المطالبات التي كافحها هو بمقالاته الشهيرة ( اخواننا الصغار ورهاناتهم الكبيرة )، وتحليلاته الرصينة لقطاعات السوق والامن التي أمسكت بتلابيب المشروع الإسلامي وانحدرت به في طريق شديد الخطورة والوعورة.
سيخلف رحيل د التجاني فراغا كبيرا في الصف الإسلامي ولكن لابد من الانتباه إلى أن النصف الأخير من حياة تجاني كان تكذيبا عمليا لدعوات ضرورة اعتزال المفكر العمل التنفيذي اليومي فقد اعتزل تجاني حلبات الصراع والمثابرة اليومية ليس جبنا ولا تهيبا فهو لم يتورع عن تسمية الأشياء والاحداث بمسمياتها الصحيحة ولا الجهر بالرأي القاطع، ولكن اعتزاله العمل التنفيذي جرده من القدرة على التأثير والمثابرة على الإصلاح . افسح اعتزال نجاني وامثاله العمل التنفيذي وانشغاله بالبحث الاكاديمي والفكري المجرد ، المجال واسعا ل ( اخواننا الصغار ) وجحافل التتار فاستهلكت مشروعا واعدا وكبيرا لتجديد الفكر والفقه الاسلامي واحياء الحياة العامة به وعمران ما خربه الفكر العلماني .
الا رحم الله اخانا الحبيب الذي لم ينعم بتعليق قميصه في الفضاء الواسع الذي ساهم في رفع سقفه وتثبيت أعمدته وبناء هيكله، وغفر له واكرم وفادته اليه وعظم اجر اسرته واخوانه وزملائه وأجرنا في مصيبتنا فيه