دكتور هاشم عبدالسلام : رحيل المبدعين الفاخر… حين يغادر الضوء وتبقى المعاني
Mazin
كتب د.هاشم عبدالسلام الامين العام لمجلس المهن الموسيقية والتمثيلية : ليس رحيل المبدعين حدثاً عابراً في رزنامة الفقد، بل هو زلزال صامت يضرب وجدان الأمة، ويكشف هشاشة اللحظة أمام صلابة الأثر. حين يرحل المبدعون الفاخرون، لا يغيب أشخاص بأسمائهم وصفاتهم، بل تنسحب من المشهد عقولٌ كانت تفكر نيابةً عنا، وأصواتٌ كانت تقول ما نعجز عن قوله، وأرواحٌ صاغت ذائقتنا الجمالية ووعينا الجمعي دون ضجيج. برحيل الدكتور عبدالقادر سالم، غاب صوتٌ حمل التراث لا بوصفه ماضياً جامداً، بل باعتباره طاقة حية للهوية والمعنى. كان مشروعه الغنائي والفكري بحثاً دائماً عن الإنسان في عمقه، وعن السودان في تنوعه واتساعه، فصار صوته جسراً بين الذاكرة والحداثة. وبرحيل الدكتور صلاح الدين الفاضل، فقد الإعلام السوداني أحد أنبل حراسه. لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل صانعاً للمعنى، يزن الكلمة قبل أن يطلقها، ويمنح الخطاب العام شيئاً من الانضباط والوقار في زمن الانفلات. كان نموذجاً للإعلامي الذي يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الصمت أحياناً أبلغ من الضجيج. أما الفنان أحمد شاويش، فقد رحل وهو يحمل في صوته صدق التجربة وبساطة التعبير، بعيداً عن التكلّف والاستعراض. كان فنه امتداداً للحياة اليومية، يلتقط وجع الناس وفرحهم، ويعيده إليهم نغماً شفيفاً، لا يدّعي البطولة لكنه يلامس القلب. وبرحيل الدكتور الموسيقار محمد الأمين، انكسر عمودٌ من أعمدة الوجدان الوطني. لم يكن مجرد موسيقار، بل حالة ثقافية متكاملة؛ مدرسة في الالتزام، والانضباط، واحترام الفن كقيمة عليا. صاغ ألحانه كما تُصاغ المواقف الكبرى: بوعي، وبصبر، وبإحساس عميق بالمسؤولية تجاه الوطن والإنسان. ثم الدكتور الموسيقار أمير النور، الذي جمع بين العلم والإبداع، بين النظرية والتطبيق، فكان عقلاً موسيقياً نادراً، يشتغل على الموسيقى بوصفها علماً، ورسالة، وأفقاً للتطوير والتجديد. رحيله خسارة لمشروع معرفي لم يُستكمل بعد. إن ما يجمع هؤلاء ليس مجرد التخصص أو الشهرة، بل النوع: نوع المبدع الذي لا يساوم على القيمة، ولا يختصر الطريق، ولا يلهث خلف اللحظة السهلة. مبدعون فاخرون لأنهم اشتغلوا على المدى الطويل، وراكموا المعنى، وتركوا لنا إرثاً لا يُقاس بعدد الأعمال، بل بعمق التأثير. المؤلم في هذا الرحيل المتتابع، أنه يكشف فراغاً مقلقاً، ويطرح سؤالاً قاسياً: هل نملك اليوم البيئة التي تصنع مثل هذه القامات؟ وهل نحسن حفظ ما تركوه، أم نكتفي بالرثاء المؤقت ثم نواصل النسيان؟ غير أن العزاء الحقيقي لا يكون في الدموع، بل في الوعي. في إعادة قراءة أعمالهم، وفي تحويل إرثهم إلى مناهج، وإلى ذاكرة حية، وإلى بوصلة للأجيال القادمة. فالمبدعون الفاخرون لا يُخلَّدون بالتماثيل، بل باستمرار الأسئلة التي طرحوها، والقيم التي دافعوا عنها. رحلوا بأجسادهم، لكنهم باقون فينا… في الكلمة التي لم تنكسر، وفي اللحن الذي لم يشيخ، وفي ذلك الضوء الخافت الذي يرفض، رغم كل شيء، أن ينطفئ.