رأي

درس الإنسانية في زمن الغياب الأميركي (١ من ٢)

د. محمد بدوي مصطفى

هل أرهق دونالد ترامب المنظومة الأوروبيّة؟…

يا سادتي، أغلب الظن، ليس من عاداتي أن أندب الدهر، وليس منها أن يدفعني أمرٌ ما إلى العته، “يحمّقني” بلهجة المغاربة، بيد أن ما يدور على مسرح الأحداث العالمية في الآونة الأخيرة، بدأ “يطلّع لي الدم”، على حد قول أهل مراكش، وبلغ بسيلي الزبى. حقيقةً، فالمشهد العالمي لاسيما في أوروبا، القارة الأولى، كما يطيب لها أن تسمي نفسها، لم تُرهَق في تاريخها الحديث كما أُرهقت في زمن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، لاسيما في فترة رئاسته الثانية (٤٦)، إنّه إرهاق لم تولِّدْه الحروب وحدها، بل يولده التهديد اليومي، والتقلب المزاجي، والجمارك التي تُفرض صباحًا وتُلغى مساءً، والخطاب السياسي الذي لا يستقر على معنى، ولا يفي بتعهد، وهلم جرا…

اعتاد العقل الأوروبي يا سادتي التخطيط طويل الأمد، والحوارات المتأنية، والمؤسسات التي تتحرك وفق إيقاع بطيء لكنه محسوب، وجد نفسه فجأة أمام إدارة أميركية تتعامل مع السياسة كما لو كانت منصة مزاد علني، أو حلبة مصارعة، أو كمل لو كانت تغريدة عابرة، أو غمزة لا يعرف مُتَلقِّها مغزاها! لم تعد أوروبا تفاوض دولة كانت إلى فترة ليست بالبعيدة صديقةً وشريكاً استراتيجياً من العيار الثقيل، وقفت معها في السراء والضراء، لاسيما في ويلات الحروب العالمية التي أثقلت كاهل أوروبا ولا تزال. صارت هذه القارة العجوز تلتف كالأفعى حول نفسها ويؤرقها في كل لحظة ما يتوافد عليها من هستيريا من جهة ما وراء البحار، تدخل كل يوم في حوارات وأوامر ونواهي، مصبوغة بلون المزاج. ففي كل صباح، تستيقظ العواصم الأوروبية على سؤال واحد: ماذا قال ترامب بالأمس وماذا سيقول اليوم وغدًا؟ وهل نحن أمام تهديد جديد، أم تراجع مؤقت، أم مجرد استعراض قوة؟!

ومع حرب أوكرانيا، انكشف هذا الإرهاق على حقيقته. فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بالتشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي، بل لوّح صراحة بأن أمن أوروبا ليس التزامًا أخلاقيًا أو استراتيجيًا دائمًا، بل صفقة قابلة لإعادة التفاوض، فأمريكا في المقدمة ومن ثمّة المزاج. وفي ذروة هذا الارتباك، ظهرت قضية غرينلاند، ليس فقط كملف جيوسياسي عقلاني، بل كرمز فجّ وفجّر لفكرة الاستحواذ، وكأنما الناس والأرض تُشترى، والسيادة تُسعَّر كما تسعّر الصحف على قارعة الطرق، والأسوأ، أنّ الشعوب صارت تُختزل في خرائط وحدود جغرافية مفرغة تماما من الهوية، ومن التاريخ.

لا يمكن للمرء أن يتجاهل أن هذا الشعور بالإرهاق يعيد إلى السطح ذكريات الاستعمار القديم. ففي الألفية الماضية، انتهى استعمار دول أوروبا للأراضي العربية والأفريقية على أرض التاريخ، لكن أثره ظل حاضرًا، متجدّدًا بطرق جديدة، ومع طفرة علوم الذكاء الاصطناعي صارت هناك حفنةٌ من البشر، لا تتعدى أصابع اليد، تملك نحو 90٪ من ثروات العالم، من إيلون ماسك إلى مارك زوكربيرغ، ومن مليارديرات التكنولوجيا إلى أباطرة الاقتصاد الرقمي. لم تعد السلطة اليوم بالاستعمار التقليدي، بل بالقدرة على التحكم بالمعلومات، والتكنولوجيا، والموارد الاقتصادية العالمية، وبالتحكم في المزاج العالمي نفسه، بحيث تتحول كل قضية، صغيرة أو كبيرة، إلى ساحة صراع للهيمنة والنفوذ. عن تجربة شخصية في عالم مُقسَّم

أعرفكم بنفسي يا سادتي، أنا محمد بدوي مصطفى، كاتب ألماني من أصول سودانية، أكتب من تجربة شخصية لا من تنظير بعيد. تجربة امتدت بين قارات وعواصم، وبين مطارات كانت مفتوحة بالأمس، وباتت اليوم مغلقة، وبين شعور بالانتماء الإنساني، وإحساس مفاجئ بأنك صرت عبئًا على النظام العالمي بكل ما تحمل هذه الكلمات من معانٍ ودلالات.

تجدني أسافر بدأب مستمر من أجل العلم، والعمل، والراحة، كما يفعل ملايين البشر في هذا العالم. زرت بلدانًا كانت تمثل فضاءً إنسانيًا مشتركًا، ثم تحولت فجأة إلى “أماكن مشبوهة”، أو لِنَقُل، إلى بقع سوداء في قوائم الباشوات الاعتباطية، لا لشيء سوى لأن سياسة “الأكابر” قد قررت ذلك وما علينا نحن “الأوغاد” إلا أن نلزم الصمت أو نشرب من ماء البحر. مُنعت ابنتي وكذلك ابني من دخول الولايات المتحدة، رغم أنّهما يحملان جوازات سفر ألمانية، ورغم أنهما يعملان صحافيين في الإعلام الألماني العام والخاص، وكانا في طريقهما لأداء مهام مهنية واضحة. لم يكن هناك اتهام، ولا مخالفة، ولا سبب قانوني مباشر. السبب الوحيد: أننا زرنا أهلنا في السودان (!!!). السودان يا سادتي، البلد المنهك بالحروب، البلد الذي يدفع ثمن صراعات داخلية وخارجية، صار تهمة بحد ذاته. زيارة الأهل تحولت إلى وصمة، والانتماء إلى الجذور صار عبئًا، وهكذا يُعاقَب الإنسان لا على ما فعل، بل على من يكون.

لكن تجربة السفر بالنسبة لي لم تقتصر على النزاعات أو القيود، بل حملت فرصة تعليمية وثقافية. منذ أن وطأت قدماي جغرافيا أوروبا، سعيّت لبناء جسر ثقافي بمقدراتي المتواضعة بين الإسلام والمسيحية، بين اللغة والثقافة العربيتيْن والفرنسيتيْن أو الألمانيتيْن، وبين الشعوب والثقافات بكل تجلياتها واختلافاتها، وهذا موثق في سجلات الدولة الألمانية وبالأخص في المدينة التي أعيش فيها مع أسرتي الصغرى. على سبيل المثال، ففي خلال سنوات عملي الجامعي مع الطلاب بجامعتي التي أعمل فيها، قمت بعدة رحلات تعليمية وثقافية لتعريفهم بالتراث العربي والإسلامي. وخلال ثلاث زيارات إلى المغرب، لاحظت تحولًا مذهلًا في نظرة طالباتي الألمانيات الثمان عشرة. من مجرد فضول سياحي، تحولت الرحلة إلى حب حقيقي لهذا البلد وأهله، وبعضهن اعتنقن الإسلام، أو أقمن علاقات زوجية محترمة مع شباب من الشرق، دون حرج أو خوف من الاختلاف الثقافي والنعرات والأحكام المسبقة التي تروّج لقارة وديانة لا يرى فيهما الكثير من هؤلاء إلاّ عبئاً على العالم بأسره.

هذا المثال يوضح أن التعارف المباشر وكسر الحواجز الثقافية هو خير دليل على قوة التواصل الإنساني، وعلى قدرة البشر على تجاوز الأحكام المسبقة، بينما السياسة غالبًا ما تخلق قيودًا وهمية على الحرية والحركة. الرحلة ليست مجرد اكتشاف لمواقع جغرافية، بل رحلة لاكتشاف الإنسانية والاحترام المتبادل، ولتحقيق الفهم بأن الانتماء الجغرافي أو الديني لا يجب أن يتحول إلى وصمة أو عائق أمام التواصل. حين تُستبدل العدالة بالتصنيف – من الواقع إلى الأدب

يا سادتي وفي زمن الملك النمرود، دعونا نستفتح بهذه الآية الكريمة:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة الآية ٢٥٨)

إنّ هذه الآية الكريمة تمنحنا من الدروس الإنسانية الخالدة ما يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فالنمرود لم يكن مجرد طاغية قديم، بل نموذجاً متكررا لكل سلطة تُصاب بالانفصام الشخصي أو الشيزوفرانيا، وبوهم التفوق حين تمتلك مفاتيح القوة دون وعي أخلاقي، كشأن قارون:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾.

تكشف الآيات الكريمة أن الطغيان لا يبدأ بالعنف، بل بالوهم: وهم أن القوة تُخوّل صاحبها تعريف الحياة والناس والكرامة.

حين اختزل النمرود الحياة والموت في قرار اعتباطي، لم يكن يدافع عن فكرة، بل عن امتياز. فجاءه إبراهيم عليه السلام بمنطق كوني بسيط نقل الجدل من استعراض السلطة إلى قانون أوسع من نزوات البشر، فسقط الخطاب كله دفعة واحدة. وكذلك هذا شأن قارون الذي بغى على قومه. فمن فرح أخيرًا فرح كثيرًا كما يقول المثل العربي المأثور.

في السياسة المعاصرة، يتكرر يا سادتي المشهد بأسماء ولهجات مختلفة؛ حيث يُعاد تصنيف البشر وفق الأصول أو الألوان أو “القابلية السياسية”، وتُمنح الشرعية للإقصاء بوصفه رأيًا، وللازدراء بوصفه سياسة. وهنا لا تحكي الآية قصة قديمة، بل تفضح آلية مستمرة: كل سلطة تنفصل عن القيم، وتخلط بين القوة والحق، وبين الامتياز والكرامة، تُفاجَأ يومًا بعجزها عن الإقناع، وببهتانٍ لا تُخفيه المنابر ولا الخُطَب. وكما أسلفنا القول يا سادتي، لم تعد السياسة الخارجية، للأسف، تُدار بمنطق القيم أو المصالح المتوازنة، بل بمنطق التصنيف الشخصي والفردي. العالم، في خطاباته وقراراته، بات ينقسم إلى صالح وغير صالح، مقبول وغير مرغوب، “فراولة” و”زبالة”.  وفي هذا السياق، لا يبدو الهجوم العلني على النائبة في الكونغرس إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، حادثة معزولة عن الروح السائدة في دهاليز البيت الأبيض، بقدر ما هو نموذج صارخ لسياسة تقوم على الإقصاء اللفظي، والتشهير العرقي، وإرسال رسائل مبطّنة إلى ملايين المهاجرين: “أنتم هنا بشرط الصمت والخضوع”.

فحين يُوصَف مجتمع بأكمله بما يحطّ من كرامته الإنسانية، ويُقابَل ذلك في الجهة الأخرى بمديح مبالغ فيه لشعوب الإسكندنافيا، ونعوت رومانسية عن “النقاء” و”النظام” و”الفراولة”، يبدو وكأن التاريخ والحقوق والمواطنة تُختصر في استعارة غذائية فجة. هذا المزاج الشخصي الذي يحكم السياسات يكشف أن الإنسان لم يعد يُقاس بحجمه وكنهه الإنساني أو بحقوقه الأساسية، بل بمدى توافقه مع رضا “القوة النمرودية العليا”، مع المزاج الرئاسي. الأدب العالمي: يكشف كيف يمكن أن نفهم هذه الظاهرة!

هنا يكتسب الأدب العالمي بعدًا كاشفًا لفهم هذه الظاهرة. ففي رواية “1984” لجورج أورويل، يُعاد تشكيل العالم وفق منطق السلطة المطلقة؛ المواطن مراقَب، والتاريخ يُكتب من جديد، والمعيار ليس العدالة ولا الحقيقة، بل ما تقرره القمة النمرودية الحاكمة. إنّ المشهد ليس بعيدًا عن واقع تُدار فيه السياسات اليومَ وفق أهواء شخصية، ويُهمَّش فيه مَن يخرج عن التصنيف المرسوم له سلفًا.

وبالمثل، تعكس “الأرض الخراب” لت. س. إليوت عالمًا تُفرَّغ فيه القيم من معناها، ويُختزل الإنسان في موقعه ووظيفته وقدرته على البقاء. القوة مقابل الضعف، الامتياز مقابل الحرمان، الخصوبة مقابل القحط. إنها صورة رمزية لعالم تُستبدل فيه العدالة بتصنيفات مبسّطة، ويُعاد فيه فرز البشر وفق الهوية والأصل والانتماء، تمامًا كما تُقسَّم البشرية اليوم بين “زبالة” و”فراولة”.

نجد يا سادتي، حتى في المعاملات اليومية، أنّ هذا المنطق يظهر بوضوح: مكيالان للتعامل، أحدهما للأبيض، خصوصًا ذو الجذور الأوروبية، والآخر لمن تختلف بشرته أو ملامحه. تحقير وإقصاء يُعيدان إلى الأذهان عصور العبودية، لا بوصفها من صحائف التاريخ التليد، بل عقلية لم تُستأصل بعد. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق التاريخي هو: هل الرئيس دونالد ترامب عنصري؟ ولماذا يكون كذلك رغم أنّه من أصول غير أمريكيّة؟ من ثمّة هل يَتبَيّن ذلك للعين المجردة بوضوح ودون مواربة!!  وقد نجد يا سادتي، ومن منظور آخر، أن هذه الرؤى السالف ذكرها تكشف هشاشة نظام عالمي يقوم على القوة الفردية والمزاج السياسي أكثر مما يقوم على العدالة والقانون الدولي.

وهنا يصبح السؤال أخلاقيّاً بامتياز: هل نقبل بعالم يُصنَّف فيه البشر بهذه السطحية؟ وهل نصمت حين يُختزل الإنسان في لون، أو أصل، أو لهجة أو دين؟ الإجابة لا تكمن في رفض عاطفي عابر، بل في التمسك الصريح بالقيم الإنسانية، وفي الإقرار بأن الكرامة والعدالة والتضامن ليست امتيازات تُمنَح، ولا تُقايَض بمزاج السلطة. و”قضي الأمر الذي فيه تستفتيان”. الكوارث المنسية وقضايا الإلهاء الكبرى

بينما تُستثار قضية غرينلاند فجأة على طاولة البيت الأبيض، تُترك كوارث إنسانية كاملة في الظل، كما لو أن الألم البشري ليس إلا “صفرين على الشمال” في حسابات القوة العالمية. في السودان: ملايين النازحين يعيشون بين أطلال المدن المدمرة والمخيمات المؤقتة، وحياتهم معلقة على رحمة الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية؛ الحروب الممتدة، الصراعات القبلية، والانقسامات السياسية جعلت من المواطن العادي مجرد رقم في سجلات الأمم المتحدة، بينما الاهتمام الدولي يتوزّع على رموز جيوسياسية أبعد.

وعلى صعيد آخر في غزة، يفرغ الحصار المستمر الحياة من مقوماتها الأساسية: كهرباء مقطوعة لساعات طويلة، مياه ملوثة، خدمات صحية محدودة، ومستشفيات تعج بالجرحى دون تجهيزات كافية. آلاف الأطفال يعيشون تحت وقع الصدمات النفسية والجسدية، ومع ذلك لا تجد قضيتهم صدى يوازي حجم المعاناة، فكل ما يُحركه الإعلام أو السياسة هو ما يخدم مصالح القوى الكبرى، لا ما يخدم الإنسان البسيط الذي يذوق في كل لحظة ويلات التهجير والتفرقة العنصرية.

وبالنظر إلى بلاد اليمن فهي في الحقيقة ليست أقل مأساوية؛ حرب أرهقت الإنسان والشجر وحتى الحجر، حتى صار الجوع من المشاهد المتواترة على كل الطرقات ومواقع التواصل الاجتماعي؛ شيء عادي ومن يحفل؟! لقد صار الطموح إلى مستقبل عادل بسيط في هذا البلد المعطاء مجرد فكرة بعيدة المنال، بعد الثريا عن الأرض، والمؤسف فوق هذا وذاك أنها قابلة للانطفاء في أي برهة. إن التحالفات الدولية والإقليمية، رغم إعلانها المساعدة الإنسانية، لم تفعل سوى تعزيز الصراعات السياسية والاقتصادية، بينما الشعب اليمني يدفع ثمنًا باهظًا دون أن يجد من ينقذه من عبء النزاع.

هذه ليست أزمات هامشية، بل جراح مفتوحة في جسد العالم، تهتز معها معايير العدالة الإنسانية. لكنها لا تحظى بالضجيج السياسي ذاته، لأنها لا تخدم استعراض القوة، ولا تمثل أداة ضغط على القوى الكبرى. السياسة، حين تنفصل عن الإنسان، تتحول إلى إدارة انتباه، لا إدارة عدالة؛ تُرفع قضية ما، ويُسقط ملف آخر، ليس بحسب حجم الألم والمعاناة، بل بحسب قابلية التوظيف الإعلامي، وحاجة القوي إلى استعراض سلطته. حتى الرياضة يا سادتي، التي يُفترض أن تكون جسرًا للتلاقي بين الشعوب، لم تسلم من هذا المنطق: المنتخبات من دول أفريقية وعربية في منظومة كأس العالم في نسختها القادمة بالولايات المتحدة، تواجه الإقصاء الرمزي، ويصبح التنافس العالمي ساحة لفرض النفوذ السياسي أكثر من كونه اختبارًا للمهارة أو العدالة الرياضية.

هكذا تتضح الصورة: العالم اليوم يسير وفق قواعد لا تضع الإنسان في مركزها، بل تُصنف البشر حسب مصالح الإدارة العليا ومزاجها السياسي. الضحايا الحقيقيون ليسوا فقط في ساحات الحرب، بل في قلب سياسات تُسخر القوة والاقتصاد والإعلام لإبقائهم على هامش العالم، بعيدين عن الضوء، بعيدين عن أي اعتبار إنساني حقيقي، وفي الآخر بعيدين عن الأفئدة المُوصَدَة كأبواب البندقية أمام من ركب البحر ليفوز بلقمة العيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى