رأي

خطاب مجلس الأمن بين تزييف الحياد وحقائق الحرب في السودان

امجد فريد الطيب

خطابُ التهريج الذي ألقاه مسعد بولص

عن السودان بالأمس في مجلس الأمن، هو أكبر دلالة على مدى تورط القوى السياسية التي تدّعي الحياد الكاذب، بينما هي تروّج لسرديات الدعم السريع، في إطالة أمد الحرب. فقد تبنّى بولص، بشكلٍ منقطع الصلة بالواقع تماماً، خطاب المساواة الشكلانية بين الأطراف المختلفة في السودان، وهو الخطاب الذي ظلّت تروّجه تحالفات (الجبهة المدنية) ثم (تقدُّم) ثم (صمود) بشكل مستمر، على الرغم مما ثبُت من تساقط أجزاء كبيرة منها للانضمام إلى المليشيا صراحةً، بينما يتولى الكفيل الإقليمي في الإمارات رعايةَ الجميع ممن هم في خدمة أجندته. خطاب بولص، المنقطع الصلة بالواقع، ينطق بأنصاف الحقائق، وهو أمرٌ أدمنه بولص الذي يردد على مسامع كلّ من يلتقيه ما يريد أن يسمعه. فالواقع يؤكد أنه لا توجد أطراف بريئة مئة في المئة في الحرب، في أي حرب، ولكن الثابت دائماً أن البوصلة التي تحدد الطرف الغاصب والمجرم تظل واضحةً على الدوام. والجيش السوداني يخوض الآن حرباً عادلةً دفاعاً عن شعبه، وعن أرضه، وعن دولته. وهي حرب سيئة، مثلها مثل أي حرب اخرى، ولكنها فرضت علينا دفاعاً عن عشرات الآلاف الذين كان يحميهم الجيش لثمانية عشر شهراً من الحصار الفاشي، وتم قتلهم في الفاشر عندما اجتاحتها مليشيا الدعم السريع، وعن المرضى والكادر الطبي في المستشفى السعودي، الذين بلغ عددهم ٤٦٠ ضحية، وقتلتهم المليشيا فور سيطرتها على المنشأة، ودفاعاً عن الملايين من سكان الخرطوم والجزيرة، الذين نهبتهم وشرّدتهم واغتصبت حقوقهم وأعراضهم مليشيا الدعم السريع في مناطق سُكناهم ومعاشهم الطبيعي، والذين ما عادوا إليها إلا بعد تحرير الجيش لهذه المناطق من قبضة المليشيا التي يدعمها الكفيل الإماراتي، وعن مئات الآلاف في الدلنج والأبيض وكادقلي، الذين خرجوا مرحّبين بتدفق جنود الجيش السوداني وهم يفكّون الحصار عنهم. كل هولاء لا يضع بولص اعتبارا لهم، ولكنهم يخبره حالهم، لو نظر، ان المساواة بين جيش الدولة السودانية وبين مليشيا الامارات الفاشية هي اكذوبة يستخدمها من يحاول استغلال الحرب ومعاناة السودانية لخدمة اجنداته الذاتية. وبالطبع، لن أُحدِّث مسعد بولص عن كتابات “جان جاك روسو” حول “النظام الاجتماعي” الذي يسعى إلى الاكتمال والانضباط في حالات السلم، وكيف أنه لا يمكن الحفاظ عليه بصورة كاملة في حالة الحرب؛ حيث تتقدّم ضرورات البقاء على مقتضيات السلوك المثالي، لأنّ استيعاب مثل هذا الطرح ربما يكون صعباً على خبرات “تاجر السيارات المستعملة”. غير أن خطاب بولص في مجلس الأمن عن السودان، جاء بمنطق التاجر الذي يسعى لعقد صفقة بين أطرافٍ في السوق تضمن له الربح، وليس بمنطق الدولة التي تسعى لحفظ الاستقرار عبر سيادة حُكم القانون والمحاسبة. أما الاخوان المسلمين، والمتطوفين ااذين يحاول بولص رفع فزاعة التهديد بهم لاسعاد الكفيل الاماراتي وتبني ودعم روايته، فنحن الذين اسقطناهم. شعب السودان وقواه الحية التي ظلت تناضل ضد الديكتاتوريات والشمولية من داخل السودان، في وجه زبانية البشير ومليشياته الخاصة التي تحاول فرضها علينا الان. ونحن الذين سنكتب مستقبل التحول الديموقراطي في بلادنا، لسنا في انتظارك لتحدده لنا، ولا تسطيع، ولن تستطيع. السودانيون الان، موحدين في وجه الشر الأعظم الذي تمثله مليشيا الدعم السريع ومخططات الاستعمار الاماراتي، الا قلة من عملاء شخبوط الذين تستمع اليهم عبر وسيطك الذي يجلس خلفك في الصورة. بولص الذي يحدّثنا عن السلام في السودان، ينبغي أن يعرف في المقام الأول أن السلام لن يحدث نتيجة سمسرة تجارية، بل عبر تطبيق سياسات وطنية تحفظ سلامة الدولة وتخدم مواطنيها. سيبقى في السودان، ما بقي السودان، جيشٌ وطنيّ، مهما تغيّرت القيادة السياسية للبلاد، ولكن لن تبقى هناك مليشيا دعم سريع. بل على العكس، إنّ استمرارية وجودها يعني فناء السودان ذاته. وهو المصير الذي لن نسمح لكم بان تدفعونا في دربه. السيد بولص: شكر الله سعيكم. فبعد أن تم إبعادك عن ملف الكونغو، وتجاوزك الاختيار فيما يتعلق بغزة، نرجو أن تلتفت إلى صفقات الذهب والمعادن الأخرى، بعيداً عن بلادنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى