خطاب البرهان.. هل يفتح باب الحوار أم يعيد ترتيب المشهد السياسي؟

سؤال اليوم
الأحداث: سماح طه
خطاب البرهان في الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة لم يكن مجرد خطاب احتفالي بعيد الجيش، بل حمل في طياته رسائل تتصل مباشرة بمستقبل الحرب والسلام وشكل الدولة والحياة السياسية في السودان. فقد جمع رئيس مجلس السيادة بين تأكيد المضي في الحرب حتى حسم التمرد، ورفض أي سلام يعيد قوات الدعم السريع إلى السلطة، وبين فتح الباب أمام حوار سوداني شامل تقوده مجموعة وطنية مستقلة.
وفي أكثر نقاط الخطاب إثارة للجدل، أعلن البرهان استعداد الدولة لتوفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، بما في ذلك وقف الإجراءات الجنائية بصورة مؤقتة، وحماية الآراء والمواقف التي تطرح داخل الحوار، مع تأكيده أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته ومخرجاته، وأن الحوار يجب أن يجري في فضاء عام مفتوح تسوده الحريات.
بين الحسم العسكري والحوار السياسي، وبين من يرى في الدعوة فرصة لفتح نافذة للحل، ومن يراها محاولة لإعادة إنتاج ترتيبات سياسية سابقة، بدأ الجدل حول السؤال الأهم: هل يمتلك هذا الحوار مقومات النجاح فعلاً؟ ومن يحدد أطرافه وأجندته؟ وهل يمكن أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب أم مساراً جديداً لإدارة الأزمة؟
حوار مطلوب.. ولكن بأي شروط؟
يرى مصباح أحمد محمد، رئيس دائرة الإعلام بحزب الأمة القومي والقيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، أن خطاب البرهان لم يقدم رؤية سياسية متكاملة أو مبادرة واضحة، وإنما طرح إجراءات لتهيئة المناخ.
ويؤكد أن الحوار السياسي هو الوسيلة الوحيدة لمعالجة الأزمة، وأنه يمكن الترحيب به إذا كان هدفه إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات.
لكنه يحذر من أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع الذي أفرزته الحرب أو منح شرعية لأمر واقع، مشدداً على ضرورة أن يتزامن المسار السياسي مع وقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وتأمين المدنيين وفتح الممرات الإنسانية والاتفاق على ترتيبات أمنية واضحة.
حوار بلا شروط.. أم إعادة إنتاج للماضي؟
في المقابل، يذهب عبد الرحمن الناير، المتحدث باسم حركة تحرير السودان، إلى قراءة أكثر تشدداً، معتبراً أن دعوة البرهان للحوار محاولة لإيجاد شرعية لسلطته وإضفاء مشروعية على الحرب، ويرى فيها تكراراً لتجربة حوار الوثبة في عهد الرئيس السابق عمر البشير.
ويقول الناير إن القوى الوطنية الحقيقية لن تشارك في الحوار بصيغته الحالية، معتبراً أن الحوار الحقيقي يحتاج إلى مطلوبات أساسية، في مقدمتها وقف الحرب، وأن يجري تحت إشراف حكومة مدنية، وألا تشارك فيه القوى التي أسقطتها ثورة ديسمبر، وألا تخضع أجندته للمحاور الإقليمية.
ويرى أن الحوار بصيغته المطروحة لن يقرب بين الفرقاء، وإنما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
هاجس العدالة.. من يملك وقف الإجراءات؟
أما د. أحمد عبد الملك الدعاك، رئيس حركة الإصلاح الآن المكلف، فيركز في قراءته على الجانب القانوني والمؤسسي في خطاب البرهان، خصوصاً ما يتعلق بوقف الإجراءات الجنائية بحق بعض المشاركين.
ويرى أن إدخال الإجراءات الجنائية في الترتيبات السياسية قد يفتح الباب أمام تسييس العدالة وإضعاف سيادة القانون، مؤكداً أن القضايا الجنائية ينبغي أن تحسم عبر المؤسسات العدلية لا من خلال التسويات السياسية.
كما يطرح تساؤلات حول المجموعة التي ستتولى إدارة الحوار، ومن يمنحها حق تحديد المشاركين والأجندة والمخرجات، مقترحاً إنشاء مفوضية مستقلة للحوار الوطني تضع معايير واضحة وشفافة للمشاركة وتعمل بعيداً عن التفاهمات المغلقة.
ترحيب مبدئي.. لكن الضمانات مطلوبة
ورغم الانتقادات، لا تبدو كل القراءات رافضة لمبدأ الحوار من أساسه. فقد عبّرت مريم الصادق المهدي، في حديث حول الدعوة، عن أن مبدأ الحوار يمكن أن يكون بداية مقبولة، لكن ذلك لا يعني القبول بأي صيغة أو شروط دون ضمانات واضحة.
فالترحيب بالحوار، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يعني أن يتحول من لا يحمل السلاح إلى طرف ملاحق أو مجرّم، بينما يصبح حمل السلاح مدخلاً إلى التفاوض والقبول السياسي. ولذلك تبرز الحاجة إلى ضمانات حقيقية تحقق قدراً من العدالة السياسية والقانونية، وتضمن أن يكون الحوار طريقاً لإنهاء الحرب لا مكافأة لحاملي السلاح.
بين الترحيب والرفض.. إلى أين يمضي الحوار؟
هكذا تتباين المواقف من خطاب البرهان؛ فهناك من يرى أن فتح باب الحوار، حتى بصورة أولية، يمثل فرصة ينبغي اختبارها، وهناك من يرفض الدعوة بصيغتها الحالية، وهناك من يطالب أولاً بضمانات قانونية ومؤسسية تضمن استقلال الحوار وعدالته.
وفي النهاية، يبدو أن الخلاف لم يعد حول مبدأ الحوار وحده، وإنما حول السؤال الأصعب: أي حوار؟ ومن يشارك فيه؟ ومن يضع أجندته؟ وما الضمانات التي تجعله مساراً حقيقياً لإنهاء الحرب وبناء الدولة، لا مجرد ترتيب سياسي جديد؟
فهل يمثل خطاب البرهان بداية لمسار سياسي يمكن أن يجمع السودانيين، أم أن اختلاف القوى حول شروط الحوار وأطرافه قد يجعل الدعوة نفسها بداية لجولة جديدة من الخلاف؟

Exit mobile version