الخطاب الأخير المسجل لقائد مليشيا الدعم السريع المتمرد محمد حمدان دقلو والذي من الواضح انه جاء على خلفية الهزائم والمتغيرات التي حدثت في خريطة السيطرة التي كانت
قواته تمسك بزمامها لا سيما في منطقة دارالريح المتمثلة في شمال وشمال غرب ولاية شمال كردفان والتي تشمل أم بادر وسودري وأم سيالة وأم قرفة وجبرة الشيخ وحمرة الوز والمزروب وبارا.. فمن الواضح أن الهزيمة كان وقعها ثقيلا على حميدتي وكبار قادة التمرد لأن إخراجهم من دار الريح يعني ضرب أهم معاقلهم الاستراتيجية والتي كانت تمثل شريان امدادي قوي لكل لوازم ومتطلبات المليشيا من معينات حربية وذخائر ومسيرات وحتى المواد الغذائية والادوية والمعدات الطبية لمداواة ومعالجة جرحاهم.
منذ أن ابتدرت المليشيا صباح السبت 15أبريل الحرب وخرجت على شرعية الدولة التي كانت جزءا منها ظل قائدها المتمرد محمد حمدان دقلو يرسل تهديداته على الهواء مباشرة ويضعها بالاخص في بريد الفريق أول عبدالفتاح البرهان.. فمنذ الساعات الاولى وعبرالقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي وبلغة الكذوب الذي ادعى الانتصار قال:( إن على البرهان أن يستسلم وإلا سنقبض عليه وسنقتله) ومرت الأيام ولم يقبض على البرهان ولم يقتله
لكنه أرسل رسالة بليغة وأختار مكان له دلالته لأنه على مرمى حجر من جبل (السركاب) وعلى سهل كرري والذي ابكت بطولة وجسارة القوات المسلحة ومسانديها حميدتي حينما قال متحسرا على فقدانه لما يقارب الأربعة ألف من جنوده حيث كانت واقعة (السركاب) بكرري قاصمة ظهر المليشيا وبعدها تمكنت القيادة العسكرية والسياسية من ادارة المعركة بكل جوانبها من محلية كرري.. لم يكن اختيار الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان لمنطقة الاسكان الشعبي والاقتصادي بحارات مدينة الثورة اعتباطا ليقدم من خلالها ردا عمليا لقائد المليشيا حميدتي.. وقال له أنا هنا مع شعبي المتماسك في كرري عرين الأبطال التي كانت ولم تزل تحدث عن رجال كالأسود الضارية وها أنذا احتسي القهوة الشاي وأتناول الزلابية مع الجماهير المساندة لجيشها في الهواء الطلق.
التهديدات الأخيرة لقواته التي اطلقها المتمرد حميدتي اشتملت على الكثير من العبارات المضحكات حيث قال انه أعلن الطوارئ ونسى أو تناسى أو أنه لا يدري ولا يدري إنه لا يدري أن مجرد دخول أي جيش في حرب فإن حالة الطوارئ تكون قائمة داخل الجيش وحتى في محيط الأعمال المدنية التي تقوم بها الدولة فكلها يتم تسخيرها للجيش وبقوة قانون الطوارئ الذي تم إعلان الحرب بسببه لكن لأن المتمرد حميدتي نال رتبته الرفيعة الفريق على حين غفلة والتي يحلو لعامة المواطنين ان يربطوها ب (خلاء) في إشارة ذكية إلى انه لم ينل حظا من التعليم والتدريب والتأهيل والاعداد البدني والذهني ولم ينل أي برنامج في البيادة أو الضبط والربط أو حصص السلاح والتكتيك والرياضة في أي مدرسة أومعهد أوكلية أو جامعة عسكرية لذلك فهو لايعرف أن مجرد إطلاق الرصاصة الاولى في أي حرب تعني ان حالة الطوارئ قد أعلنت ليس في محاور المعارك فحسب بل في كل البلد أو الجغرافيا المشمولة بالحرب.
الكثير من المراقبين لمجريات تداعيات حرب 15 أبريل 2023م فسروا تهديدات حميدتي الأخيرة لجنوده فضلا عن إرسال رسائل حمالة أوجه وأقرب للتخوين إلى قادة ومسئولي الاستخبارات في المليشيا والتي من الواضح انها دخلت في استرخاءة أمنية إذ وصفوها بانها تهديدات تفتقد للواقعية وتعطي دلالات أن مكامن الخلل داخل المليشيا قد اتسعت رقعتها لا سيما في الجوانب ذات الصلة بالعمليات الاستخباراتية إذ أن أجهزة الرصد والتتبع الاستخباري لم تؤد أدوارها على النحو المرسوم لها والدليل على ذلك كل العمليات المباغتة التي نفذها الجيش والقوات المشتركة كشفت بجلاء مكامن الخلل الواضحة والبينة كما من الواضح ان المليشيا ما عادت متماسكة كما كان الحال في بدايات الحرب فهناك حالة عدم رضاء تتضح بوضوح من اللايفات التي ظل يطلقها جنود المليشيا والتي تكشف بوضوح ان قيادة المليشيا لم تعد تستجيب للكثير من الضروريات واللوازم الخاصة بالجنود دع عنك اللوازم القتالية، كما ان شروخات كبيرة قد لازمت الحواضن الاجتماعية التي تكونت منها المليشيا.. فمن جهة توقفت عمليات الاستنفار الداخلي والتحشيد الذي يقوم به رجالات الادارة الاهلية بدءا من الشيوخ والعمداء والأمراء والنظار ووكلائهم ولعل التراشقات التي تمت بين قبيلة الرزيقات خاصة خشم بيت الماهرية وبقية القبائل الرئيسية المتماهية مع المليشيا والتي اتهمت قيادات المليشيا باعطاء كل المزايا للماهرية بينما بقية القبائل لا تجد حظها من هذه المزايا بل من يطالب بها يجد ان القتل بدم بارد يلاحقه ولعل حادثة اغتيال ناظر المسيرية الفلايتة عبدالمنعم موسى الشوين على سبيل المثال وليس الحصر فان التصفيات التي قامت بها المليشيا وبعلم قائدها حميدتي وباشراف وتعليمات نائبه عبدالرحيم دقلو وقد لعبت المليشيا بين القبائل والمجموعات السكانية المتماهية معها بسياسة فرق تسد حيث اوقعت بينها في كثير من المشاكل بل سلحت كل قبيلة ومجموعة لمواجهة الاخرى ثم تدعي ظاهريا انها مع المصالحات والسلام الاجتماعي ورتق النسيج الاجتماعي ولعل اوضح مثال لذلك صراع البني هلبة والسلامات في عيد الأضحى المبارك الماضي بمدينة (كبم) بولاية جنوب دارفور.
بدأ واضحا ان تهديدات حميدتي سببها الأساسي الهزائم المتلاحقة التي منيت بها قواته خلال الاسبوعين الماضيين وهي بالتالي نتاجا لأزمة حقيقية تعيشها المليشيا في داخلها نتيجة التداعيات المتلاحقة وقد تطورت الأزمة إلى اتهامات وجهتها قيادة المليشيا إلى ثلاثة من قيادات مايسمى بالادارات المدنية في ثلاث ولايات شرق دارفور ووسط دارفور وجنوب دارفور وقد اشارت مصادر وثيقة الصلة إلى ان قيادة المليشيا وخاصة الهزائم المتلاحقة اصبح الشك عندها الاصل في كل شخص واضافت تلك المصادر ان اعتقال رؤساء الادارات المدنية وايداعهم سجن كوريا أكبر دلالة على انهيار وتصدع المليشيا بالداخل.
وكانت مناطق سيطرة الدعم السريع بولايات دارفور قد شهدت اعتقالات واسعة لؤساء الادارت المدنية حيث تم اعتقال محمد إدريس خاطر رئيس الادارة المدنية بولاية شرق دارفور بتهمة التواصل مع قيادات بالمركز كما تم اعتقال رئيس الادارة المدنية بولاية وسط دارفور المهندس عبدالكريم يوسف عثمان حيث تم تفتيش منزله وهاتفه واتهامه بالتواصل مع الجيش والحكومة المركزية في الخرطوم كما جرى اعتقال يوسف إدريس يوسف رئيس الادارة المدنية بولاية جنوب دارفور اثر تحقيقات بتجاوزرات مالية وخلافات سياسية وانشطة مناوئة وقد اودع ثلاثتهم سجن كوريا بمدينة نيالا.
عبارة (التمطر حصا) واضحة من العبارات التهديدية الشهيرة والتي كان يطلقها المتمرد محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع المتمردة كلما ضاق ذرعا من قوى إعلان الحرية والتغيير والتي كانت جزءا من الفترة الانتقالية بعد زوال حكم الانقاذ بالشراكة مع المكون العسكري وكان كثيرا ما يطلق تلك العبارة التهديدية الشهيرة وكانت هناك عبارة تهديدية اخرى وهي( المطر بدون براق) في اشارة إلى المطر الذي ينزل بدون انذار وهذا التهديد بدأ واضحا انه سيتحقق وبسرعة في الايام القادمة خاصة مع تقدم الجيش في مناطق دار حمر الخوي والنهود ووبندة وفي مناطق دار الحوازمة الحمادي والدبيبات (محافظة القوز).