خريطة نتنياهو.. استراتيجية التحالف الدائري وحرب السودان

المسلمي البشير الكباشي

نشر موقع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، في 19 مايو 2026، خريطة بعنوان «التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط»، تتناول تشكّل محاور إقليمية متنافسة، أبرزها «التقارب الإسرائيلي الإماراتي»، ومحور السعودية ومصر وتركيا وباكستان، الذي يُطلق عليه «الماسة السُّنية»، إلى جانب المحور الإيراني.

وفي 19 أكتوبر 2026، ظهرت تقارير تفيد بأن نتنياهو عرض خريطة مطابقة للخريطة المذكورة، خلال تقديم تصوره للأمن القومي الإسرائيلي، تحت عنوان «التهديدات الرئيسية ـ الساحات»، وبعنوان فرعي «تلاقي المحاور».

ومفتاح هذه الخريطة أنها وضعت قوات الدعم السريع في دائرة القوى التي تعتبرها صديقة لإسرائيل والإمارات، بينما وضعت السودان ضمن دائرة الدول التي تعتبرها صديقة لمحور السعودية ومصر وتركيا وباكستان، الذي تسميه «الماسة السُّنية».

كما أظهرت إثيوبيا ضمن الدائرة التي تعتبرها صديقة لإسرائيل والإمارات، في حين أظهرت إريتريا والصومال ضمن تصنيفات مختلفة عن إثيوبيا، بما يعكس تصور معدّي الخريطة لطبيعة التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي.

حتى هذه النقطة، لم تأتِ الخريطة بجديد؛ فهي تتوافق مع كثير من المعلومات والتحليلات التي تتناول التنافس والصراع في منطقة القرن الأفريقي. ولكن ما أكد أهمية الأمر، وأضاف إليه دلالة تتصل بالتورط الإسرائيلي في حرب السودان من الوجهة العملياتية، هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعرض الخريطة خلال تقديم تصوره للأمن القومي الإسرائيلي، تحت عنوان «التهديدات الرئيسية ـ الساحات»، وبعنوان فرعي «تلاقي المحاور».

وهذا، في حد ذاته، ليس جديداً؛ وإنما هو تجديد لما هو معروف عن الاستراتيجية الإسرائيلية التي تأسست مع قيام دولة إسرائيل. وهي الاستراتيجية التي وضع أسسها أول رئيس وزراء إسرائيلي، ديفيد بن غوريون، حين أمر أجهزة الأمن بالاتصال بزعامات الأقليات في العراق والسودان وإقامة علاقات معها.

وهذا ما أورده ضابط الموساد السابق، العميد المتقاعد موشيه فارجي، في كتابه «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»، الصادر عام 2002 عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا التابع لجامعة تل أبيب.

والاستراتيجية التي طبقتها إسرائيل تجاه السودان، في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، هي استراتيجية «التحالف الدائري»؛ أي إقامة التحالفات مع الدول المجاورة للدول التي تعتبرها إسرائيل خطيرة، أو يمكن أن تصبح خطيرة. والخطورة، في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي، تكمن في أن مكونات هذه الدول الجغرافية والبشرية وموقعها يمكن أن تمكّنها من أن تصبح دولاً قوية تستعصي على الاستتباع.

وفي سياق العمل على تمزيق السودان من جنوبه، يورد الكتاب المذكور أن إسرائيل أقامت محطات اتصال في إثيوبيا وأوغندا وكينيا والكونغو، وهي الدول التي شكّلت، وفق هذه الرواية، امتداداً للإمداد السياسي والعملياتي لجيش تحرير السودان بقيادة جون قرنق، الذي انتهى مساره بانفصال الجنوب.

البعض يجادل حول الوسائل حين تغيب عنه خطوط الاستراتيجية، أو بغرض التمويه عليها. يحدث ذلك، مع أن إسرائيل تحاول باستمرار التذكير بهذه الاستراتيجيات وتجليتها على الأرض، كما فعل نتنياهو في عرضه الخريطة موضوع النقاش في 19 أكتوبر 2026، أو كما ورد في تصريحات منسوبة إلى وزير الأمن الإسرائيلي آفي ديختر، في محاضرة له في سبتمبر 2008، تناولها كثير من الكتّاب العرب والغربيين.

وجاء في التصريحات المنسوبة إليه أن السودان، بما يملكه من موارد ومساحة شاسعة وعدد كبير من السكان، يمكن أن يصبح دولة إقليمية قوية تنافس مصر والعراق والسعودية، وأنه كان لا بد من العمل على إضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة، باعتبار ذلك ضرورياً لدعم الأمن القومي الإسرائيلي وتقويته.

وأضاف ديختر، وفق النص المتداول لتلك التصريحات، أن إسرائيل أقدمت على إنتاج بؤرة دارفور وتصعيدها لمنع السودان من إيجاد الوقت اللازم لتعظيم قدراته، وأن الاستراتيجية التي تُرجمت على أرض الجنوب سابقاً، وفي غرب السودان لاحقاً، نجحت في تغيير مجرى الأوضاع نحو التأزم والانقسام، وأن الصراعات الدائرة في السودان ستنتهي، عاجلاً أو آجلاً، بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول.

والحرب التي تدور في السودان منذ 15 أبريل 2023، والتي فجّرتها قوات الدعم السريع في مواجهة القوات المسلحة السودانية، لم تخرج، في تقديري، عن إطار الاستراتيجيات الإسرائيلية السابقة، إلا من حيث وجود راعٍ عربي يتولى الإدارة التنفيذية للحرب.

فاستراتيجية «التحالف الدائري» ذاتها هي التي جرى تفعيلها في هذه الحرب، من خلال تطويق السودان بعداء الجوار، ابتداءً من إثيوبيا في الشرق، مروراً بكينيا وأوغندا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد، وصولاً إلى ليبيا التي يسيطر عليها خليفة حفتر. وقد مدّت هذه الدول التمرد، بدرجات وأشكال مختلفة، اختلفت في نوع الدعم وحجمه.

وظل قائد التمرد، محمد حمدان دقلو، موصولاً بإسرائيل، سواء عبر أخيه ومبعوثه الخاص إليها، عبد الرحيم دقلو، أو عبر أبو ظبي، كما أظهرت صور متداولة، أو من خلال اتصالات مباشرة مع الموساد في دول الجوار، بل وحتى في الخرطوم، قبل اندلاع الحرب.

هناك دائماً جدل يُثار للتعمية على كواليس إدارة العالم، عبر صناعة التوترات والحروب والاستمرار في تأجيجها لتحقيق المصالح الكبرى. ويُثار، في هذا السياق، جدل حول إنكار ما يُسمّى «نظرية المؤامرة».

ودائماً ما تُختلق سرديات، ويُروَّج لها إعلامياً على نطاق واسع، لإلغاء فكرة أن «المؤامرة هي التي تحرك التاريخ».

ويحدث ذلك، على الرغم مما يتوافر من وثائق وتصريحات واتصالات موثوقة وتحركات عملياتية تتعلق بتوفير السلاح والتمويل، فضلاً عن تقارير المنظمات الدولية التي تسمّي الدول المتورطة في هذه العمليات، وتكشف جوانب من آليات تنفيذ تلك الاستراتيجيات.

صحيح أن الصراعات الكبرى، مثل الحرب السودانية، تتوافر لاندلاعها عوامل داخلية مهيئة، سواء بفعل تفجّر النزاعات بين مكونات المجتمع، أو نتيجة العجز عن التوصل إلى تفاهمات داخلية تفضي إلى مشروع وطني للحكم، أو بفعل التدبير الخارجي. وما يحدث في السودان هو نتاج العاملين معاً.

والهدف لا يزال، وسيظل، ما أشرت إليه في التصريحات المنسوبة إلى آفي ديختر: منع السودان من أن يكون دولة موحدة، قادرة على احتكار القوة والسيطرة على مواردها وحدودها، انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي، وأن تصبح قوة تستعصي على السيطرة عليها.

ولا غرابة في هذه الاستراتيجية الإسرائيلية، ولا جديد فيها؛ الجديد هو أن تكون أداتها التنفيذية وأحد أهم شركائها دولة عربية، هي الإمارات العربية المتحدة.

وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، استعصى السودان على الإخضاع، بالرغم من فداحة الحرب والموارد العسكرية والمالية التي أُنفقت لكسبها، وذلك بفضل وعي شعبه، وقوة جيشه، وإدراكه أنه يخوض حرب كرامة؛ إذ ليست العبرة بفرق الإمكانات وحده، وإنما أيضاً بقوة الإرادة .. وبالارادة ..

إنَّ الشعوبَ وإن تطاول ليلُها ..

كالشمسِ تسري في الظلام فتشرقُ

↑
Exit mobile version