حين يتحول القانون إلى أداة للسطو على الحقوق

أ.د. عبدالحليم موسى

ليست الحروب وحدها من تهدم الأوطان، فثمة معاول خفية تعمل بصمت داخل المجتمعات، تهدم الثقة قبل أن تهدم الجدران، وتسرق الأمان قبل أن تسرق الأموال. ومن أخطر هذه المعاول أن يتحول بعض من يفترض فيهم حماية القانون إلى أدوات للالتفاف عليه، وأن يصبح التزوير مهنة مستترة خلف مكاتب يفترض أنها وجدت لحماية الحقوق وصون الممتلكات.

لقد شهد السودان في أعقاب الحرب اضطرابات كبيرة في سجلات الملكية والعقارات، مستغلين ظروف النزوح وغياب أصحاب الأملاك وضعف الرقابة المؤسسية. وفي خضم هذا المشهد ظهرت حالات مؤلمة تم فيها الاستيلاء على أراض وعقارات عبر مستندات مزورة وشهادات غير صحيحة ووسطاء وسماسرة يجيدون صناعة الوهم أكثر من إجادتهم للتجارة.

وأتحدث هنا من تجربة شخصية مؤلمة؛ فقد فوجئت بأن أرضا اشتريتها قبل أربعة عشر عاما أصبحت محل بيع متكرر لخمسة مواطنين مختلفين، بعد أن تمكن أحد المحامين من الحصول على نسخة من عقد البيع الأصلي، ثم استُخدمت الوثائق في عمليات بيع مشبوهة أوصلت الأرض الواحدة إلى عدة مشترين، كل منهم يعتقد أنه المالك الشرعي. ولم يكن الضحايا من المشترين وحدهم، بل كان الضحية الأكبر هو الثقة في منظومة العدالة والتوثيق.

والمؤلم في مثل هذه الوقائع ليس ضياع المال فقط، بل ضياع الثقة. فحين يذهب المواطن إلى القانون بحثا عن الحماية، ثم يكتشف أن بعض المتلاعبين يستغلون معرفتهم القانونية وثغرات الإجراءات للإضرار بالناس، فإن الجرح يصبح أعمق من مجرد نزاع عقاري.

ولا يمكن إغفال الدور الخطير لبعض السماسرة الذين تحولوا في كثير من الحالات إلى حلقة الوصل بين المزور والضحية. فهم يتقنون رواية القصص المقنعة؛ مرة يدّعون أن المالك مريض ويحتاج إلى المال بصورة عاجلة، ومرة يزعمون أنه مهاجر أو نازح ويريد البيع بأقل من سعر السوق، فيندفع المشترون وراء فرصة تبدو ذهبية، بينما هي في الحقيقة فخ قانوني وأخلاقي.

وعلى نحو أكثر إثارة للقلق، فإن الأوضاع في بعض المناطق تجاوزت حدود التزوير التقليدي إلى مستويات أكثر تعقيدا وغموضا. فبحسب ما يتداوله العاملون في السوق العقاري، أصبحت بعض الأراضي تباع لأشخاص مجهولي الهوية عبر شبكات من السماسرة لا يعرف على وجه الدقة من يقف خلفها أو من يمول عمليات الشراء. وفي بعض أحياء الخرطوم تباع أراض بأسعار مرتفعة جدا بواسطة السماسرة، بينما يظل المشتري الحقيقي أو المستفيد النهائي بعيدا عن الأنظار. وهذه الظاهرة لا تثير الشكوك القانونية فحسب، بل تطرح تساؤلات وطنية عميقة حول مستقبل الملكية العقارية في بلد يسعى إلى تضميد جراح الحرب واستعادة استقراره. فحين تصبح الأرض، وهي رمز الانتماء والاستقرار، سلعة تتنقل بين أيد مجهولة، فإن الخطر لا يقتصر على ضياع حقوق الأفراد، بل يمتد إلى تهديد الثقة العامة في منظومة الملكية نفسها.

ويقول الخبير القانوني السوداني نبيل أديب إن سيادة القانون لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بثقة الناس في المؤسسات التي تطبق تلك النصوص. وهذه العبارة تختصر جوهر المشكلة؛ فحين تهتز الثقة في منظومة العدالة يصبح المجتمع كله خاسرا، مهما بلغت صرامة القوانين أو قسوة العقوبات.

أما من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، فإن من يتورط في تزوير مستندات أملاك الآخرين قد يحقق مكسبا مؤقتا، لكنه يدفع ثمنا باهظا على المدى الطويل. فالمحامي الذي يستغل ختم التوثيق أو خبرته المهنية للإضرار بالناس يفقد قبل كل شيء رسالته المهنية. ومع انكشاف الحقيقة تتضرر سمعته بين الناس، وتتراجع ثقة العملاء فيه، ويصبح اسمه مقترنا بالشك بدلا من الاحترام.

وقد يكون العقاب القانوني بداية الخسارة فقط، أما العقوبة الأشد فهي السقوط الأخلاقي والاجتماعي. فسمعة المحامي هي رأس ماله الحقيقي، وإذا فقدها فقد جزءا كبيرا من مستقبله المهني. ومع مرور الأيام تتراجع تعاملاته، وينصرف عنه العملاء القدامى والجدد، وتتأثر أوضاعه المادية والنفسية، لأن المجتمع قد يغفر الخطأ العابر، لكنه نادرا ما يغفر خيانة الأمانة واستغلال المهنة للإضرار بالناس.

لقد كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط يرى أن الإنسان يجب أن يعامل الآخرين كغاية لا كوسيلة. والتزوير العقاري يمثل النقيض الكامل لهذه الفكرة؛ إذ يتحول الضحايا إلى مجرد وسيلة للكسب غير المشروع، وتتحول أحلام الأسر في الاستقرار والتملك إلى أوراق ممزقة في أروقة المحاكم.

ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط ملاحقة المزورين، بل بناء منظومة أكثر صلابة لحماية الملكيات العقارية، عبر الرقمنة الحديثة للسجلات، وتشديد الرقابة على أعمال التوثيق، وتغليظ العقوبات على جرائم التزوير العقاري، مع رفع وعي المواطنين بعدم الانجراف وراء الصفقات التي تبدو أرخص من المنطق وأسرع من الإجراءات الطبيعية.

فالعدل ليس مجرد أحكام تصدرها المحاكم، بل شعور يومي بالأمان يعيشه المواطن عندما يطمئن إلى أن بيته وأرضه وحقوقه مصونة. وعندما تباع الأرض الواحدة لخمسة أشخاص، أو تنتقل ملكيات عقارية بين أطراف مجهولة لا يعرف المجتمع هوياتها الحقيقية، فإن القضية لا تعود قضية قطعة أرض فحسب، بل تصبح قضية ثقة وطن بأكمله في منظومته القانونية والأخلاقية. فالحرب لا تسرق الأرواح والممتلكات فقط، بل قد تفتح الباب أمام تجار الأزمات الذين يرون في معاناة الناس فرصة للثراء السريع، غير مدركين أن المال الذي يبنى على الظلم قد يحقق مكسبا مؤقتا، لكنه لا يستطيع أن يشتري راحة الضمير ولا احترام التاريخ.

Exit mobile version