حين تسبق الأسعار المرتبات وتطحن المعاناة الناس: ماذا يفعل المواطن البسيط؟

نعمان يوسف محمد **

لم يعد الغلاء في السودان مجرد أزمة اقتصادية عابرة، ولم تعد زيادة أسعار السلع الأساسية والوقود خبرا يمر على الناس ثم ينسونه. لقد أصبح الغلاء معركة يومية يخوضها المواطن من أجل البقاء، معركة غير متكافئة بين دخل محدود وأسعار تقفز بجنون، ومرتبات ثابتة لا تواكب شيئا، بل إن بعضها لا يصل إلى أصحابه بانتظام.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، دون مواربة أو تجميل: ماذا يفعل المواطن البسيط عندما ترتفع أسعار احتياجاته الأساسية على مدار الساعة، بينما يظل راتبه حبيس أرقام قديمة، وقد يتأخر صرفه حتى يفقد ما تبقى من قيمته؟

ماذا يفعل الموظف الذي ينتظر نهاية الشهر ليقبض مرتبه، بينما لا ينتظر التاجر نهاية اليوم ليغير الأسعار؟ وماذا تفعل الأسرة التي تستيقظ على سعر، وتعود إلى السوق مساء فتكتشف أن المبلغ نفسه لم يعد يشتري احتياجاتها؟ وماذا يفعل المعاشي الذي أفنى عمره في خدمة الدولة، ثم يجد نفسه في سنواته الأخيرة عاجزا عن توفير الدواء والغذاء، وربما مضطرا للاختيار بينهما؟

المواطن السوداني لا يواجه ارتفاع أسعار السلع وحده، بل يواجه سلسلة متشابكة من الأعباء تبدأ بارتفاع تكلفة الوقود والمواصلات، وتمتد إلى أسعار الغذاء والدواء والخدمات، وتنتهي عند أبواب المدارس والمستشفيات والإيجارات. وعندما يرتفع الوقود، ترتفع تكلفة نقل البضائع وتشغيل وسائل الإنتاج، فتنعكس الزيادة على أسعار السلع والخدمات. وعندما تتراجع القوة الشرائية للجنيه، يصبح الدخل النقدي أقل قدرة على تلبية الاحتياجات، حتى لو ظل الرقم المكتوب في قسيمة الراتب كما هو. وهنا يدفع المواطن ثمن الأزمة مرتين: مرة من خلال ارتفاع الأسعار، ومرة من خلال التآكل المستمر في القيمة الحقيقية لدخله.

أما الموظف محدود الدخل، فلا يملك في الغالب مشروعا جانبيا يعوضه، ولا مدخرات تحميه، ولا قدرة على نقل أعبائه إلى شخص آخر. إنه الحلقة الأضعف في سلسلة اقتصادية يتحمل فيها العبء الأكبر دون أن يملك أدوات التأثير في أسباب الأزمة.

ليس من العدل أن تتحرك الأسعار بحرية كلما تغيرت الظروف، بينما تظل المرتبات جامدة وكأن القوة الشرائية للنقود لا تعني شيئا. وليس من المقبول أن يظل العامل أو الموظف أسيرا لمرتب جرى تحديده في ظروف اقتصادية مختلفة تماما عن الظروف التي يعيشها اليوم.

الأكثر إيلاما أن بعض العاملين لا يعرفون متى يتقاضون رواتبهم، فيتحول تأخر المرتب من مشكلة إدارية إلى أزمة معيشية كاملة. تتراكم الديون، وتتأخر الالتزامات، ويضطر رب الأسرة إلى الاستدانة لتوفير الضروريات، ثم يسدد ديونه من مرتب جديد لا يكفي أصلا لتغطية احتياجات الشهر. وهكذا يدخل المواطن في دائرة مغلقة: يستدين ليعيش، ويقبض ليسدد، ثم يستدين من جديد.

أما المعاشيون، فحكايتهم أكثر قسوة. هؤلاء قدموا سنوات عمرهم في خدمة مؤسسات الدولة والمجتمع، وكان يفترض أن تكون سنوات التقاعد مرحلة من الاستقرار النسبي والكرامة. لكن كيف يستقيم ذلك عندما تتآكل المعاشات بفعل التضخم، ويتأخر صرفها، وتزداد تكاليف العلاج والغذاء في وقت تتراجع فيه قدرة أصحابها على العمل والكسب؟

إن ترك المعاشي لمواجهة الغلاء بدخل لا يتناسب مع تكاليف الحياة ليس مجرد خلل مالي، بل إخفاق في الوفاء بالتزام اجتماعي وأخلاقي تجاه من خدموا الدولة.

نعرف أن السودان يمر بأزمة اقتصادية عميقة، وأن الحرب ألحقت بالاقتصاد والإنتاج والبنية التحتية أضرارا جسيمة، وأن تراجع الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد واختلالات سعر الصرف والتمويل كلها عوامل تضغط على الأسعار. لكن الاعتراف بصعوبة الأزمة لا يعني إعفاء المسؤولين من واجباتهم، كما أن شرح أسباب الغلاء لا يغني عن اتخاذ إجراءات تخفف آثاره.

فالمواطن لا ينتظر خطباً عن صعوبة الظروف، ولا تكفيه التصريحات التي تعد بتحسن الأوضاع في المستقبل. إنه يريد أن يعرف ماذا ستفعل الحكومة اليوم لحماية قدرته على شراء الخبز والدقيق والزيت والدواء والوقود، وماذا ستفعل غدا حتى لا يجد نفسه أمام موجة جديدة من الزيادات.

إن مسؤولية الدولة لا تقتصر على إدارة الإيرادات والمصروفات، بل تشمل حماية الحد الأدنى من مقومات الحياة، ومراقبة الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب، وتوفير المعلومات عن الأسعار، وضمان وصول السلع الأساسية إلى المواطنين، والعمل على استقرار الإنتاج والإمداد.

ولا يجوز أن يتحول تحرير الأسعار، حيثما تقرر تطبيقه، إلى تحرير للمواطن من أي حماية اجتماعية، أو أن تصبح ظروف الحرب مبررا مفتوحا لتحميل محدودي الدخل كل أعباء الأزمة.

لسنا بحاجة إلى وعود عامة، بل إلى إجراءات عاجلة ومحددة، من بينها:
أولا: انتظام صرف المرتبات والمعاشات. فالدخل الذي لا يصل في موعده يفقد جزءا من وظيفته الاقتصادية، ويضاعف معاناة أصحابه. ويجب وضع أولوية واضحة لتوفير التمويل اللازم للصرف المنتظم.

ثانيا: مراجعة الأجور والمعاشات على أساس القوة الشرائية. المطلوب ليس مجرد زيادة رقمية قد تبتلعها الأسعار خلال أيام، بل سياسة أجور ومعاشات تستند إلى تكاليف المعيشة الفعلية، مع مراجعة دورية تتناسب مع معدلات التضخم والإمكانات المالية المتاحة.

ثالثا: حماية السلع الأساسية. وذلك عبر تعزيز الإمداد، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاختناقات في النقل والتوزيع، ومكافحة الاحتكار والممارسات الاستغلالية، ونشر أسعار استرشادية واضحة تساعد المواطن على معرفة السعر العادل.

رابعا: توجيه الدعم إلى مستحقيه. فالأسر الأشد فقرا، والعاملون محدودو الدخل، والمعاشيون، والنازحون والمتضررون من الحرب، يحتاجون إلى حماية اجتماعية عملية تصل إليهم بانتظام، لا إلى برامج معلنة يصعب الوصول إلى منافعها.

خامسا: المصارحة والشفافية. من حق الناس أن يعرفوا أسباب الزيادات، ومكونات تكلفة السلع الأساسية، والإجراءات التي تتخذها الجهات المختصة، والنتائج التي تحققت بالفعل. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمعلومات الصحيحة والعمل الملموس .

المواطن البسيط لا يطلب المستحيل. إنه يريد دخلا يحفظ كرامته، وسوقا لا تفاجئه كل صباح بزيادة جديدة، ودواء يستطيع شراءه، ووجبة توفر الحد الأدنى من الغذاء لأطفاله، ومعاشا يصل في موعده، ومستقبلا لا يطارده فيه الخوف من العجز عن تلبية أبسط الاحتياجات.

لا يمكن مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا مطالبتهم بتحمل أعباء وطنية كبيرة بينما تتقلص قدرتهم على توفير ضرورات الحياة. فالصبر ليس بديلا عن السياسات، والتحمل ليس إعفاء من المسؤولية، والتكيف مع الأزمة لا يعني التسليم بتحويل الفقر والعوز إلى واقع دائم.

والأخطر من ارتفاع الأسعار هو أن يعتاد المجتمع العجز عن مواجهتها، وأن يصبح السؤال عن وجبة اليوم أهم من التفكير في تعليم الأبناء أو العلاج أو المستقبل، وأن تتحول حياة الأسرة إلى حسابات يومية للبقاء، لا مساحة فيها للتخطيط أو الأمل.

إن كرامة المواطن ليست بندا ثانويا في الموازنة العامة، وليست امتيازا تمنحه الظروف الجيدة وتسحبه الأزمات. إنها أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأحد أهم معايير نجاح السياسات العامة.

إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفعت الأسعار فحسب؟ بل: لماذا لا تزال حماية المواطن من آثار هذا الارتفاع غائبة أو غير كافية.

وإذا كانت الدولة تواجه ظروفا استثنائية، فإن واجبها أن تضع الأولويات الاستثنائية أيضا، وأن تبدأ بمن لا يملكون وسائل حماية أنفسهم: محدودي الدخل، والعمال، والموظفين، والمعاشيين، والأسر التي استنزفتها الحرب والنزوح والفقر. فلا معنى لأي حديث عن التعافي الاقتصادي إذا كان المواطن عاجزا عن شراء احتياجاته الأساسية، ولا قيمة لأي مؤشرات مالية إيجابية إذا لم تنعكس على حياة الناس.

في النهاية، لا يُقاس نجاح الدولة بما تجمعه من إيرادات، ولا بما تصدره من قرارات، بل بقدرتها على أن تجعل حياة مواطنيها أقل قسوة، وأن تصون كرامتهم، وألا تتركهم وحدهم في مواجهة سوق لا ترحم ودخل لا يكفي.

ويبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن طاولة المسؤولين: إذا كان المواطن لا يستطيع أن يعيش بمرتبه، ولا يستطيع أن يستغني عنه، ولا يستطيع أن يضمن موعد صرفه، فماذا بقي له من الأمان الاقتصادي والاجتماعي؟

ماذا يفعل المواطن البسيط؟ ومن يسمع صوته قبل أن يتحول العجز عن المعيشة إلى عجز عن الأمل؟

↑
Exit mobile version