رأي

حينما يستعيد القصر الجمهوري صوته الوطني ..!

ناجي الكرشابي 

أكاد أجزم أن خطاب الرئيس البرهان هذه المرة، من داخل القصر الجمهوري في ذكرى الاستقلال، يحمل في طياته الكثير من الدلالات. فعلى الرغم من تهدّم القصر، وجفاف نجيل حدائقه، ناهيك عن أشجاره الوارفة التي ظلت لعقود طويلة تغازل نسيم النيل الأزرق، شامخة كما سارية العلم المجيد، فإن عودة الخطاب الرئاسي إليه بعد انقطاع “اضطراري” بفعل الخيانة والتمرد، تعني الكثير.

لقد ظل هذا القصر، بحدائقه وشرفاته، شاهدًا على بطولات وجسارة هذا الشعب وجيشه، ورمزًا للعزة والسيادة والشرف الباذخ، كما كان شاهدًا أيضًا على المؤامرات والخيانة التي استهدفت الدولة السودانية، وآخرها حين دخله، في غفلة من الزمان، حميدتي وحمدوك وبقية الخونة، ممن تسببوا في تدمير السودان قبل جدرانه، وحرق “أحشاء” الأمهات والرجال قبل نجيله وأشجاره.

نعم، لم يكن احتفالًا شارك فيه قادة القوى السياسية، ولا مناسبة كُرِّم فيها رموز الشعب والمجتمع كما جرت العادة، لكنه كان في جوهره إعادة وصل واعية لما انقطع بين الشعب والدولة، وبين الرمز والسيادة ” كنا وين وبقينا وين”.

خرج البرهان بخطاب مباشر الرسائل، مبشرًا بقرب النصر الكامل، وبطرد الأوباش من كل شبر من بلادنا الحبيبة، ومؤكدًا بحزم القادة أن المعركة لم تُحسم بعد، لكن الدولة أيضًا لم تُهزم، وأن الشعب الذي صبر ودفع الثمن لا يمكن أن يُترك وحيدًا في منتصف الطريق.

اللافت في الخطاب، وربما الأهم، هو الإشارة إلى القوى السياسية المؤمنة بقضية الوطن. هذه العبارة، في بساطتها، تحمل فرزًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد. فليس كل من حمل لافتة “مدنية” كان مع الوطن، وليس كل من صرخ ضد الجيش مرددًا “العسكر للثكنات” كان مع الشعب. فالإيمان بالوطن ليس شعارًا يُرفع، بل موقف يُتخذ في ساعة الامتحان.

وفتح البرهان باب المصالحة الوطنية من موقع من يعتقد أن الوطن أكبر من الجراح، شرط أن يكون الانضمام لصوت الوطن والحق، لا للمساومات أو المحاصصات، ولا لإعادة تدوير الخيانة تحت لافتات جديدة. فالمصالحة التي لا تُبنى على الاعتراف، ولا تحرسها الحقيقة، تتحول إلى استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الخيانة.

حديثه عن دولة الوطن والمواطنة، وعن الحرية والسلام والعدالة، هو استدعاء مباشر لشعارات رفعتها ثورات السودانيين وانتفاضاتهم، وحاول كثيرون اختطافها والمتاجرة بها. الفارق هنا أن الخطاب جاء من داخل القصر الجمهوري، في وقت تُخاض فيه معركة وجود، لا من منصة خطابة آمنة، ولا من خلف شاشات قنوات الخيانة والخذلان.

أما الرسالة الأكثر حدة، فكانت قوله إن كل من خان وطنه وباعه لن ينتصر. فالأوطان لا تُباع ثم تُستعاد بالأوهام، ولا تُدار بالارتهان للخارج، ولا تُحرر بالرهان على دول لا ترى في السودان سوى ورقة تفاوض أو ساحة نفوذ.

خطاب الاستقلال هذا العام لم يأتِ احتفالًا بالماضي، بقدر ما كان اشتباكًا مع الحاضر، ورهانًا على المستقبل. هو خطاب يؤكد أن الدولة ما زالت واقفة، وأن القصر الجمهوري، رغم ما أصابه، لم يفقد معناه، وأن الشعب السوداني، الذي دفع أثمانًا باهظة، يستحق دولة لا تخونه، ولا تساوم على دمه، ولا تبيع قضيته في أسواق السياسة الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى