رأي

حميدتي .. القائد الذي أغرى الإمارات فسقط مع أول اختبار

مهند عوض محمود

قراءة مسار محمد حمدان دقلو – في تقديري – ليست قراءة لرجل صعد من الأطراف، بل تفكيك لتركيبة قوة نشأت أصلاً خارج مؤسسات الدولة، ثم اندفعت إلى قلبها بعقلية لا تعرف الانضباط ولا تستوعب معنى الشرعية ؛ فقد بدأت قواته كقوة متحركة في بيئة دارفور؛ قوة مصممة للحركة والانتشار وملاحقة التمرد في جغرافيا واسعة Mobile force ، تعتمد على الولاء المحلي، لا على عقيدة الجيش ولا على سلسلة القيادة النظامية ؛ هذا النموذج يصلح في الأطراف، لكنه ينهار فور دخوله مركز الدولة.

في عهد البشير بقي حميدتي محاصراً بسقف ضيق ؛ يتحرك بأوامر محدودة، وتُراقَب تحركاته، وتُقطع أي مساحة نفوذ تتجاوز الهدف التكتيكي. كان جزءاً من مهمة… لا مشروع دولة. قوته كانت تُستخدم، لكنها لم تكن تُعهد إليها السلطة ؛ وكلما تمددت قواته ميدانياً، ظل هو شخصياً محكوماً بقيود تمنعه من التحوّل إلى لاعب مستقل.

لكن سقوط نظام البشير غيّر المعادلة. خرج حميدتي من الظل إلى الضوء دفعة واحدة. لا رقابة، لا سقف، ولا جهة تملك تحجيم نفوذه السريع. أصبح نائب رئيس مجلس السيادة، وتمدد داخل اللجنة الأمنية اعتماداً على القوة على الأرض لا على سلطة المنصب ؛ ثم تولى رئاسة اللجنة الاقتصادية، والتي مُنحت صلاحيات على موارد الدولة لا ينبغي أن تُعطى لقائد قوة غير نظامية ؛ تعامل مع الاقتصاد كأنه ساحة نفوذ إضافية، وفتح شبكات مال موازية، وأنشأ قنوات اتصال خارجية، وبدا كأنه يتهيأ لإعادة تشكيل الدولة على نسق مختلف عن مؤسساتها وقوانينها.

في تلك اللحظة رأت الإمارات فيه فرصة استثمار واضحة. وأعتقد انها رجّحته لثلاثة أسباب:

1- أنه منفصل عن عقيدة الجيش السوداني ويمكن توجيهه سياسياً بسرعة.

2- أنه يمتلك قدرة حركة ميدانية خاطفة،

3- أنه يدير اقتصاداً موازياً يخلق مسارات نفوذ لا تمر بالمؤسسات الرسمية.

كان بالنسبة لها “ذراعاً جاهزة” في بلد يتصدع. لكن الرهان بُني على بنية رخوة: شبكة ولاء لا مؤسسة، قائد صعد من الأطراف لا من الدولة، وقوة تصلح للتمدّد لا للحكم.

ومع اندلاع الحرب ظهرت الحقيقة العارية: قواته قادرة على اقتحام المدن، لكنها عاجزة عن تثبيتها. قادرة على خلق الفوضى، لكنها لا تعرف كيف تدير سلطة ؛ ومع استعادة القوات النظامية والقوات المشتركة والمساندة للمبادرة، انقلب ميزان القوة على الأرض. خطوط الدعم قُطعت، الجغرافيا تراجعت، والمشروع الذي كان يُراد له أن يتمدد تحوّل إلى كتلة تنهار بسرعة.

واللحظة الأهم كانت عندما اختفى حميدتي عن المشهد ؛ لا ظهور مرئي، لا تسجيل حي، لا صورة واحدة تخضع للتحليل البصري ؛ البيانات التي نُسبت إليه خرجت بإيقاع غريب لا يشبه أسلوبه المعتاد. هذا الغياب لا يبدو تكتيكياً، بل يعكس غياباً فعلياً سواء كان بمرضٍ حاد، أو عجز، أو وفاة، فجميعها تؤدي إلى النتيجة نفسها: توقف المشروع عند غياب صاحبه.

أما الإمارات، فقد التزمت الصمت ؛ ومن الواضح أن صمتها ليس حياداً، بل انسحاباً هادئاً من ملفّ تحوّل إلى عبء. الرهان على حميدتي انتهى، ليس لأن حسابات أبوظبي تغيرت، بل لأن الرجل نفسه خرج من قدرة اللعب في الساحة.

اليوم حميدتي خارج المعادلة. انتهى كقائد، وانتهى كمشروع، وانتهى كرقم سياسي. المجتمع السوداني تجاوزه، والدولة تجاوزته، وما تبقى من قواته مجرد شظايا تتحرك بلا مركز.

وفي وجهة نظري، من المتوقع خلال الأشهر الستة القادمة أن يحدث الآتي:

أولاً:
تجفّ خطوط التمويل تدريجياً. مسارات الذهب والجبايات ستتلاشى، والوحدات ستفقد القدرة على دفع الرواتب، مما يؤدي إلى انفراطها ذاتياً.
ثانياً:
سيتفجر صراع القيادة. لن تنجح أي مجموعة في تثبيت قائد جديد، لأن البنية أصلاً مبنية على شخص واحد. ستولد محاولات متعددة… ثم تنتهي بسرعة.
ثالثاً:
ستسقط الجيوب المتبقية تحت ضغط القوات المسلحة والقوات المشتركة والمساندة بعملية إنهاء تدريجية تعتمد الاستنزاف لا الضربة الواحدة ؛ ومع اختفاء التمويل والحاضنة، ستتلاشى القدرة على القتال.
وعند نهاية الشهر السادس، لن يبقى من قوات حميدتي إلا بقايا متناثرة،
ولا من مشروعه إلا اسمٌ تجرفه الذاكرة،
وسيبقى السودان في صورته الطبيعية:
الدولة هي المركز… والمليشيا صفحة أُغلِقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى