للعطر افتضاح
د. مزمل أبو القاسم
استبشر كثيرون بتعيين الدكتور كامل إدريس رئيساً للوزراء، ورأوا فيه أملاً جديداً للبلاد والعباد في خضم حربٍ ضروس أهلكت الحرث والنسل، واختار هو أن يعزف على الوتر نفسه وانتقى (الأمل) اسماً لحكومةٍ تأنّى هو في تشكيلها واستهلك قرابة نصف عام قبل أن يستكمل تكوينها، وكان غريباً أنه ترك الوزارة الأهم (الخارجية) شاغرةً قرابة أربعة أشهر من تاريخ تعيينه، مكتفياً بوزير دولة في الوزارة التي تشكل نافذتنا للتعامل مع المجتمع الدولي، والبوابة التي يلج بها المجتمع الدولي إلينا.
من ذلك المنطلق وبتلك الحسابات كانت (الخارجية) أولى الوزارات باهتمام السيد رئيس الوزراء، ولجهة أنها تعرضت إلى هزات عنيفةٍ وإهمالٍ مريع وتعاملٍ كريه من الدولة ممثلةً في مجلس السيادة، بتعيين ثلاثة وزراء لها في أقل من عام!
عندما تم تعيين الدكتور كامل إدريس كتبنا موصين إياه أن يتجنب المطب الذي وقع فيه معظم من تقلدوا المنصب قبله، ومضوا من دون أن يضعوا عليه أي بصمة، تاركين إياه قفراً من كل نجاحٍ وإنجاز، وأذكر أننا نصحناه أن يتمثل سيرة حكومة الفريق إبراهيم عبود رحمة الله عليه، وأن يدرس تجربتها ويراجع إنجازاتها ويستشرف كيف أفلحت في إحداث طفرة تنموية لافتة في بلادنا برغم قِصَر فترتها، إذ لم تعمِّر سوى ست سنوات فقط، أنجزت فيها ما أعجز السابقين واللاحقين.
أوجزنا أسرار نجاح تلك الحكومة في أنها اتّبعت برنامجاً تنموياً مدروساً استمرّ لمدة خمس سنوات، وتم تنفيذه بحذافيره، بعد أن حدَّد لكل وزير ومسئول حكومي الأهداف والغايات المطلوب إنجازها على وجه الدقة، وتكفل رئيس الدولة وقتها بمتابعة سير التنفيذ لحظةً بلحظة.
كانت النتيجة نجاحاً مشهوداً بمشاريع تنموية ضخمة، حيث تم في تلك الفترة الوجيزة إنشاء خزاني الروصيرص وخشم القربة، ومد خطوط السكة حديد إلى نيالا غرباً وواو جنوباً (مروراً بمدينة بابنوسة)، مع استبدال محركات البخار لقاطرات السكة حديد بقاطرات الديزل، وتم تشييد مصانع سكر الجنيد وحلفا الجديدة وملوط، وزيادة الرقعة المزروعة في مشروع الجزيرة بإضافة امتداد المناقل (800 ألف فدان)، وتم إنشاء مشاريع الزراعة الآلية في منطقة الدالي والمزموم (500 ألف فدان)، ومشروع حلفا الزارعي، كما تم تشييد صوامع الغلال في القضارف.
في عهد حكومة عبود تم إنشاء الخطوط الجوية السودانية (سودانير) والخطوط البحرية السودانية (سودانلاين)، كما تم إنشاء بنك السودان المركزي وبقية البنوك المتخصصة، وصك العملة، علاوةً على تشييد محطة بري الحرارية وإنتاج الكهرباء من خزان سنار، وتشييد جسر شمبات وتوسيع جسر النيل الأبيض.
شهدت السنوات الست تدشين بث تلفزيون السودان والمسرح القومي وعدد من المسارح في الولايات، كما تم تشييد عدد كبير من المصانع في شتى بقاع السودان، وإنشاء مراكز متخصصة للشباب في معظم المدن الكبيرة فاحتضنت نشاطهم ورعت الموهوبين منهم.
وفي مجال الطرق ابتدرت حكومة عبود العمل في طريق الخرطوم مدني وأوصلته إلى الحصاحيصا (وأكمله الرئيس نميري رحمة الله عليه)، كما تم الشروع في تشييد طريق الخرطوم شندي فوصل إلى الجيلي وتم استكماله في عهد حكومة الإنقاذ.
مرة أخرى ننصح الدكتور كامل إدريس بمراجعة تلك التجربة الناجحة والاستفادة من تفاصيلها الملهمة، بعد أن وقع في الفخ ذاته الذي سبقه على من تولوا المنصب قبله.. إذ لم يتكرم بوضع خطة تحوي أهدافاً واضحةً أو برنامجاً محدداً لأي وزارة في حكومته التي وُلِدت بعد تعثرٍ طويل ومخاضٍ عسير، فأصبحت مثل (مُركب على الله)، تتقاذفها الأنواء من كل جانب، ويتفنن الناس في وصمها بالفشل!
المشكلة التي تعانيها هذه الحكومة ليست متصلةً بتعيين أو إعفاء المستشارين، ولا بالإبقاء على مجالس إدارات الشركات والمؤسسات الحكومية أو حلها، ولا بما يتردد عن سيطرة أحد مستشاري رئيس الوزراء على القرار فيها، بقدر ما تتصل بغياب الخطة، وعدم وضوح الأهداف.
الشركة السودانية للسلع الاستهلاكية (سلعتي) التي تم حل مجلس إدارتها بقرار من رئيس الوزراء تم تكوينها في عهد الوزير الأسبق مدني عباس مدني بمخالفة بيَّنة للقانون، وشبهات فساد تناولناها في وقتها، ويتردد أن القرار المتصل بسلعتي وببقية الشركات الحكومية أتى للتغطية على قرار إعفاء لمياء عبد الغفار من وزارة مجلس الوزراء!
لتبيان حجم التخبط ومقدار أزمة (ضعف المؤسسية) التي تعاني منها حكومة د. كامل إدريس نشير إلى أن قرار إقالة الوزير (الأول) للحكومة أتى في الترتيب تالياً لقرار حل مجالس إدارات عدد من الشركات الحكومية، وبعد قرار حل مجلس إدارة شركة (سلعتي)، وبعد قرار إقالة السفير بدر الدين الجعيفري من منصبه كمستشار لرئيس الوزراء.. فهل يعقل ذلك؟
ثم.. ما الداعي إلى ذكر اسم شركة (سلعتي) تحديداً بعد أن نص القرار على حل كل مجالس إدارات شركات القطاع العام والوحدات والهيئات الحكومية؟ أليست (سلعتي) شركة حكومية من ضمن شركات القطاع العام التي نصَّ عليها القرار.. فلماذا يتم التعامل معها بطريقة عادل إمام الشهيرة: (هي رقاصة.. وكانت بترقص)؟
ما زال الأمل يحدونا أن ينطبق لقب (الأمل) على حكومة الدكتور كامل التي قارب عمرها عاماً ولم نرصد لها إنجازاً يُذكر، ولم نر منها سوى (الألم).. فهل يزول.. أم يستفحل ويتصل.. لتلحق هي ورئيسها بسلعتي ولمياء والجعيفري.. وعبد القادر؟