حظر الاتحاد الأوروبي للذهب السوداني: تناقضات السياسة وتداعياتها
Mazin
فيما ارى عادل الباز ١ ازدواجية المعايير الأوروبية تجاه الأزمة السودانية لا تفتأ أوروبا في كل يوم تظهر بوجه وخطة وبيان وموقف حول الحرب والأزمة الإنسانية في السودان. ثم لا تلبث أن تبدي انزعاجها وإدانتها لممارسات الجنجويد، وخاصة بعد مجزرة الفاشر. لكنها سرعان ما تتراجع لتنكر الشرعية وتساوي المليشيات المجرمة التي ارتكبت جرائم الإبادة مع الحكومة الشرعية التي تعترف بها. الشهر الماضي، وصل عشرات السفراء الأوروبيين فجأة إلى بورتسودان للقاء الرئيس الذي يعترفون به نظريًا. وما إن غادروا بورتسودان حتى أصدروا بيانًا يتطابق مع بيانات الرباعية، دعوا فيه إلى إيقاف الحرب وهدنة إنسانية وغيرها من مفردات مسعد بولس. ثم بعد أسبوعين من زيارتهم، وعلى عجل، أصدروا بيانًا يحظر تجارة الذهب السوداني! وهم يعلمون أن الحكومة تعتمد الآن في ميزانيتها على الذهب بنسبة 90% لتسيير الخدمات للمواطنين الذين يدعون أنهم يغيثونهم بالمساعدات. بهذا القرار، يعرقلون جهود إغاثتهم من أموالهم الخاصة!. يقول سعادة السفير عبد المحمود عبد الحليم في مقال له بعنوان “الذهب يكاد عقلي أن يذهب”: “إن القرار الأوروبي الذي يمنع شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني قد حظر أيضًا تصدير مواد الزئبق والسيانيد المستخدم في تعدين الذهب، والذي وفر قطاع التعدين الأهلي فيه فرص عمل لأكثر من مليوني مواطن قدموا للبحث عن المعدن من كافة ولايات البلاد”. هذا الحظر يهدد بشكل مباشر سبل عيش ملايين الأسر السودانية التي تعتمد على هذا القطاع. 2 القرار الذي حظر بموجبه تصدير الذهب السوداني جاء على خلفية تقارير دولية حديثة تناولت قطاع الذهب في السودان، وعلى رأسها تقارير صادرة عن منظمة “سنتري” (The Sentry) ومركز “تشاتم هاوس” (Chatham House). هذه التقارير دعت إلى فرض قيود أو حظر على تصدير الذهب السوداني إلى الأسواق الأوروبية. ترى تلك الجهات أن استمرار تصدير الذهب دون “ضوابط صارمة” يسهم في تغذية النزاعات أو تمويل أنشطة غير مشروعة. إن عجائب السياسة الأوروبية المتناقضة بلا سقف. فكل العقوبات التي أصدرها الاتحاد الأوروبي وحتى مجلس الأمن تجاه تجارة الذهب إنما كانت تستهدف الحركات المتمردة، سواء كان ذلك في الكونغو أو سيراليون. فلماذا شملت عقوبات حظر تجارة الذهب الحكومة السودانية الشرعية؟! هنا يتضح أن القرار لا يتعلق بوقف الحرب، بل يتعلق بممارسة الضغوط على الحكومة السودانية لتخضع لأجندة الرباعية والخماسية. 3 حظر الذهب: حرب اقتصادية على الدولة السودانية حين أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي في الثالث عشر من يوليو 2026 عن قراره بحظر استيراد الذهب السوداني وقطع إمدادات الزئبق والسيانيد، لم يكن الأمر مجرد إجراء قانوني عابر. بل كان بمثابة إعلان عن حقبة جديدة في التعامل مع الملف السوداني. لقد تجاوزت هذه الخطوة الأبعاد الإنسانية لتشن حربًا على الدولة السودانية، كاشفةً عن تحول استراتيجي يضع موارد السودان الطبيعية في قلب دائرة الاستهداف الغربي. لم يأتِ هذا القرار بلا دلالات؛ فقد حمل في طياته رسائل لا تخطئها عين المراقب. الغرب، إذ يرفع الآن شعار “تجفيف منابع تمويل الحرب”، لا يميز بين الاقتصاد الوطني المشروع وبين اقتصاد النزاع كما فعل في كل النزاعات الأخرى في القارة. لا يفرق بين حكومة تدافع عن شعبها وحركة متمردة إرهابية تحمل مشروعًا صهيونيًا تقسيمًا. ولا يفرق بين حكومة تقوم بواجبات إعاشة شعبها وإدارة اقتصاده بموارد قليلة، وبين مليشيا تدمر وتنهب ثرواته لصالح مشروع إماراتي يهدف للاستيلاء على مقدراته. بالأمس كانت بريطانيا نفسها تدعو متمردي “تأسيس” -الذين تدمغهم بجرائم الحرب والإبادة- إلى لندن في محاولة مكشوفة لشرعنتهم، وهيهات تحديات تنفيذ الحظر ومصادر الذهب الملوث هل يستطيع الاتحاد الأوروبي تنفيذ مخططه الإجرامي؟ الذهب لا يصل إلى الأسواق العالمية مباشرة من السودان، بل يمر عبر حلقات متعددة تشمل وسطاء، ومصافي تكرير، وشركات نقل، ومراكز تجارية إقليمية (الإمارات على وجه الخصوص). يفقد الذهب هويته الأصلية ويدخل الأسواق العالمية باعتباره ذهبًا ذا منشأ مختلف. لذلك فإن استهداف السودان وحده لن يحقق أهداف هذه الحرب الأوروبية. ولكي يكون هذا القرار الخبيث فعالًا، لا بد أن يستهدف الاتحاد الأوروبي كل سلسلة الإمداد، بما في ذلك مصافي التكرير، وشركات الوساطة، والمؤسسات التي تعمل في إعادة تصدير الذهب. هذا يعني تتبع الذهب السوداني في الموانئ، والمناطق الحرة، ومراكز تجارة الذهب العالمية ومنظومة شبكة تجارته. وهي تعرف أن ذلك مستحيل، وخاصة أن الدولة التي تتحكم في تجارة الذهب في السودان وأفريقيا (الإمارات) لا يمكن إيقافها. ومن قبل صدرت عدة عقوبات عليها ولم يتمكن أحد من تنفيذ أي عقوبة فعلية. فذهب أفريقيا وروسيا كله في الإمارات “على عينك يا تاجر” في معامل “الكالوتي”، ولكن أوروبا لا ترى تلك التجارة المحرمة بمليارات الدولارات. تجارة الذهب في الإمارات تبلغ 186 مليار دولار سنويًا، وهو كله ذهب من أفريقيا (“ذهب ملوث بالدم”). بينما تبلغ صادرات السودان الرسمية من الذهب خلال النصف الأول من 2026 نحو 1.1 مليار دولار وفق البيانات الحكومية الأسبوع الماضي. أي أن حجم تجارة الذهب في الإمارات يزيد بنحو 170 ضعفًا عن حصيلة صادرات الذهب السودانية في نصف عام. فكيف سيتم فرز الذهب السوداني من آلاف الأطنان التي تصل الإمارات من دول عدة؟ وكيف يمكن تتبع عائدات بهذا الحجم الضئيل وسط هذه المليارات المتدفقة على خزائن أبوظبي؟ وماذا سيفعل الاتحاد الأوروبي مع أبوظبي التي أدانها الأسبوع الماضي بأنها تغذي الحرب في السودان؟! 4 دعوة للعدالة والحلول المستدامة إن استهداف الاقتصاد السوداني بهذه الطريقة ينم عن ازدواجية واضحة في المعايير وتجاهل متعمد للحقائق الجيوسياسية المعقدة في المنطقة. إن الحلول الحقيقية للأزمة في السودان لا تكمن في فرض عقوبات أحادية الجانب تثقل كاهل المواطن البسيط وتعرقل قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. بل تكمن في معالجة جذور الأزمة السياسية والأمنية بعيدًا عن تسييس الموارد الاقتصادية التي هي ملك للشعب السوداني وحده. إن العدالة الدولية تقتضي محاسبة الممولين الحقيقيين للنزاع بدلاً من معاقبة الضحية وتجفيف منابع عيشها تحت ذرائع واهية.