حسين خوجلي يعزي الشعب القطري في رحيل الشيخ الوالد حمد بن خليفة آل ثاني لَئِن حَسُنَت فيكَ المَراثي وَذِكرُها فَقَدْ حَسُنَت مِن قَبلُ فيكَ المَدائِحُ
Mazin
ولألوان كلمة: وبعد طول كفاح ومغالبة ترجل الفارس الأمير صاحب القلب الكبير الأستاذ حسين خوجلي يعزي الشعب القطري في رحيل الشيخ الوالد حمد بن خليفة آل ثاني لَئِن حَسُنَت فيكَ المَراثي وَذِكرُها فَقَدْ حَسُنَت مِن قَبلُ فيكَ المَدائِحُ شهد العالم عبر الحقب التاريخية المتلاحقة الكثير من الحُكام الذين ورثوا دولاً كبرى وممالك وإمبراطوريات اكتظت بعشرات الملايين من البشر، وحظيت بملايين الأميال من الجبال والسهول والبحار والأنهار، حولوها بالاستبداد والجهالة وقصر النظر والابتعاد عن الثوابت والقيم إلى أقطار صُغرى في دفتر الإنجاز والتمدن والإضافة المُثلى للحضارة والشعوب. وفي المقابل تولى قِلة من الحكام الكبار من أصحاب القيم والأحلام الطليقة أرضاً ضيقة المساحة وشعب تعداده بالآلاف، لكنهم حولوها بالعلم والقيم والجسارة وحب الآخرين إلى إمبراطورية وواحة للخير والسلام والتلاقي. وكانت قطر في قلب هذه المجموعة الثمينة من الأقطار بل في مقدمتها، وكان الأمير حمد بن خليفة آل ثاني أحد هؤلاء العظماء الذين قدموا للبشرية وطناً ساهم في بناء هذا العالم الجديد، أوقف حروباً وأثرى أقطاراً ونزع فتيل الفتن بين كثير من الأشقاء والغرباء، وملأ أرضه بحيوية العلم والثروة والإعلام والرياضة والآداب والفنون، فصارت قطر هي الدوحة التي تهفو إليها قلوب الملايين آماناً مُطلقاً وطمأنينة غامرة وحرية ملتزمة وعذوبة في الناس والأشياء. ولو حُق لكل دولة في العالم أن تقول كلمتها للحق والتاريخ لاعترفت بأن لقطر فيها يد سلفت ودين مستحق. وعلى كثرت أصدقاء السودان من الحُكام والأقطار بين العرب والعجم الوقّافين في سرائه وضرائه لم نعهد حاكماً أحب السودان والسودانيين وأحبوه مثل الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني راعي النهضة عبرمنهج الأصالة والمعاصرة والوسطية والاعتدال. نعم إن حب الرجل لأهله السمر قد مسح رهق الأيام ونوائب الدهرعن الخاصة والعامة ومد أياديه البيضاء بإنفاقه الوفير سراً وعلانية بلا مَنٍّ ولا أذى ، ورغم تطاول بعض الأقزام على أقدارالرجال، إلا أن الرجل القامة لم يرفع صوته يوماً في وجه السودان بعتاب أو حساب. وفي الوقت الذي كان ينتظر العالم الذي يعيش لحظات اعتكاره وتناقضاته نصيحته الصريحة الفصيحة ترجل الفارس المِعطاء المِسماح الصالح، وتوقف القلب الكبير عن الخفقان، ذلك القلب الذي احتمل في جَلَدٍ وصبرٍ مشهودٍ كل عذابات هذا العصر اللئيم. قلبٌ أرهقته وعثاء الحروب والمؤآمرات وظلم الأقارب والأباعد فما لانت له قناةٌ وما وهنت له عزيمةٌ ولم يرتفع صوته يوماً بمغاضبة أو شكوى. رحل الشيخ الحمد بن خليفة وأبقى في كل عين دمعة وكل في كل صدر نفثة وفي كل نفس حزن لا تبدده السلوى ولا النسيان. وعزاءنا الموشح بالصبرالجميل أن الرجل أبقى من ورائه ومن قُدامنا الأمير تميم الفياض بالعلم والحكمة والفضائل والتواضع، فكأنما أراد أن يقول : لا يرحل الرجل ولا يغيب ما دام قد أبقى من ورائه وريثاً وزخراً لبلاده ولعقيدته ولأمته وللبشرية جمعاء. رحل الشيخ الوالد المؤسس وقد تراصت على الطريق إلى مثواه الأخير كل قصائد الرِثاء العربي وكل خطب التعازي الإنسانية وكل بكائيات البُلغاء، ولم يسعفني في مداراة الأسى والأسف على الأميرالكبير إلا الأبيات المُثلى في الرِثاء حين تشمخ العربية وتفيض القوافي بالمدامع الحرّي:
مَضى اِبنُ (خَليفة) حينَ لَم يَبقَ مَشرِقُ وَلا مَغرِبٌ إِلّا لَهُ فيهِ مادِحُ وَما كُنتُ أَدري ما فَواضِلُ كَفِّهِ عَلى الناسِ حَتّى غَيَّبَتهُ الصَفائِحُ فَأَصبَحَ في لَحدٍ مِنَ الأَرضِ مَيّتاً وَكانَت بِهِ حَيّاً تَضيقُ الصَحاصِحُ مَضى حينَ مَدَّ المَجدُ أَطنابَ بيتِهِ عَلَيهِ وَأمَّتهُ الأُمورُ الفَوادِحُ وَحينَ اِستَهانَت نَزحَ كُلِّ تَنوفَةٍ إِلى جودِ كَفّيهِ الرِقاقُ النَوازِحُ فَإِن سَفَحَت عَيني عَلَيهِ دُموعَها فَقَلَّ لَهُ مِنها الدُموعُ السَوافِحُ سَأَبكيكَ ما فاضَت دُموعي فَإِن تَغِض فَحَسبُكَ مِنّي ما تَجنُّ الجَوانِحُ وَما أَنا مِن رُزءٍ وَإِن جَلَّ جازِعٌ وَلا لِاِغتِباطٍ بَعدَ مَوتِكَ فارحُ كَأَن لَم يَمُت حَيٌّ سِواكَ وَلَم تَقُم عَلى أَحَدٍ إِلّا عَلَيكَ النَوائِحُ لَئِن حَسُنَت فيكَ المَراثي وَذِكرُها فَقَدْ حَسُنَت مِن قَبلُ فيكَ المَدائِحُ وحين انفض الجَمعُ عن القبر البعيد المبارك وخُط على الشاهد بنسخ عامر الوضوح والسواد : هنا يرقد المغفور له الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ابن هذه الأمة الشاهدة وهذه العقيدة السمحة والمواطن الأخير في دولة المصطفى صلى الله عليه وسلم دولة العز وكنز الفرح، وقد جللت الآية الكريمة وشاح الشاهد المقروء الشاخص في وجوه المودعين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.