

امجد فريد الطيب
أكثر ما تجتهد فيه مليشيا الدعم السريع منذ اندلاع هذه الحرب ليس فقط خوض المعارك على الأرض، بل بناء سردية موازية للواقع، تهدف إلى تشكيل صورة ذهنية زائفة تغطي على طبيعتها الفاشية وسلوكها الإجرامي. بينما يتكفل حلفاؤها في تحالفي صمود وتأسيس بترويج هذه السردية لاحقاً وخلق التباس زمني وحقوقي عبر المطالبة بالتحقيق فيما شهد عليه الناس عيانا بيانا، والهدف هو إغراق النقاش العام حول ما يجري في السودان في دوّامة مقصودة من الالتباس والأكاذيب التي يتم التعامل معها كحقائق محتملة، تتيح التهرب من المسؤولية الجنائية والسياسية عن جرائم المليشيا وحلفائها، وتسويق روايات المساواة الزائفة التي يتبناها مسعد بولص وأمثاله، من الغارقين في ضباب أخلاقي يختزل الجرائم الجارية في السودان في خطاب مبسّط عن نزاع داخلي بين طرفين، يتجاهل الفوارق الجوهرية بين الدولة والمليشيا. ما حدث منذ أمس الأول بعد قصف مليشيا الدعم السريع لمنطقة مستريحة ومحاولة اغتيال موسى هلال هو مثال صارخ وحديث على هذا النسق. فبعد القصف، سارع تحالف تأسيس إلى إصدار بيان ينفي فيه مسؤوليته عنه وحاول نسبتها الي الجيش، غير أن الوقائع لم تمهله طويلًا؛ إذ أقدمت قوات المليشيا في اليوم التالي مباشرة على اجتياح مستريحة. وهنا، نحن لا نتحدث عن خطأ في المعلومة او مشكلة في الصياغة، بل عن نمط متكرر من التضليل المنهجي، يقوم على الإنكار السياسي السريع للأفعال. في اي تناول قانوني او حتى منطقي، الإنكار المنهجي لا يُعد دليلاً على عدم المسؤولية، بل بالعكس قد يُعتبر مؤشراً على العلم بالفعل (mens rea) عندما يتكرر ضمن نمط سلوكي ثابت. وما حدث في مستريحة ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأكاذيب التي تُسوَّق للمجتمع الدولي، والذي يتلقّاها بقدر مقلق من التساهل، في إطار صناعة مساواة كاذبة بين الحكومة من جهة، وهياكل مليشيا الدعم السريع وحلفائها من جهة أخرى، بما يفرغ مفهوم المسؤولية من محتواه القانوني والأخلاقي، ويحول الوقائع الثابتة على أرض الواقع الي سرديات متنازعة فيما بينها. إن قصف مستريحة وما تلاه كشف بوضوح طبيعة المواجهة القائمة في السودان: مواجهة بين منطق الدولة، التي تحاول فرض حد أدنى من النظام والمسؤولية، ومنطق المليشيا، التي ترتكب جرائمها ثم تفرّ من مواجهة تبعاتها عبر الأكاذيب، والتشويش، والتدليس الإعلامي المنهجي. هذه السرديات المضلِّلة ليست مجرد مناورات سياسية عابرة، بل دليل دامغ على الكيفية التي تستخدم بها شبكات العملاء المرتبطة بنظام أبوظبي التضليل الإعلامي وصناعة الروايات الزائفة لإطالة أمد الحرب، وتوسيع رقعتها، وإراقة المزيد من الدماء السودانية. السودانيون يريدون السلام، لكنهم يريدونه سلاماً حقيقياً يحفظ البلاد، ويصون الأمن، ويحمي الأرواح. وهذا السلام لا يمكن أن يُبنى على الأكاذيب، ولا أن يمر عبر التدليس والتشويش، بل يبدأ أولًا من تثبيت الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ورفض المساواة الزائفة بين الجريمة ومن يحاول وقفها.