رأي

جرد حساب من رجال الأعمال.. إلى بؤر الفساد!!

فيما اري
عادل الباز
1
أحاول في هذا الباب مشاركة أسرة جريدة إيلاف الاقتصادية – التي عادت بقوة لتُثري المحتوى الاقتصادي في السودان بصورة تخصصية افتقدتها صحافتنا طويلًا.
وفي هذا الإسهام، الذي أرجو أن يكون أسبوعيًا، سأتابع الحركة الاقتصادية برصد الأخبار المهمة، والتعليق عليها، وتقديم الإضافة بمقترحات وأفكار، مع تسليط الضوء على الزوايا المخفية في الأخبار والقصص الاقتصادية.

٢ رجال الاعمال
قبل نحو ثلاثة أشهر، وفي آخر زيارة لي إلى مصر، التقيتُ بمجموعة واسعة من رجال الأعمال السودانيين. وكانوا جميعًا متفقين على حقيقة واحدة: أفضل مكان يمكن أن يعملوا و يستثمروا فيه هو السودان.
فالبلد – رغم مابه وفيه – يظل أرض الفرص الكبرى. المشاكل معلومة، وطرق حلها يعرفها هؤلاء أكثر من غيرهم، بحكم خبرتهم الطويلة في التعامل مع التعقيدات الإجرائية والبيروقراطية، وبحكم علاقاتهم الواسعة التي تمكنهم من تجاوز أي عقبة. ثم إن الأرباح التي يمكن تحقيقها في السودان لا يمكن تحقيقها في أي مكان آخر.
في ذلك اللقاء، تذكرت ما قاله الباحث الشاب أحمد بابكر (من جامعة أكسفورد) في المؤتمر الاقتصادي بلندن الذي عُقد مؤخرًا، حين ذكر أنهم قاموا بتحليل معدل العائد على الاستثمار في مصر بناءً على المخاطر، فوجدوه حوالي 20%، ثم طبقوا ذات التحليل على السودان فكانت النتيجة حوالي 40%، وربما تصل إلى 50%.
إذا كان كل ذلك هذا صحيحًا، فإن السؤال المنطقي يصبح:
لماذا لا يسرع رجال الأعمال بالعودة إلى السودان؟**
** لماذا هذه الوتيرة البطيئة التي نشهدها الآن، بينما الأوضاع تتحسن يومًا بعد يوم؟
الحالة الأمنية في الخرطوم أصبحت مستقرة تمامًا، والخرطوم تحتاج إلى عودة المصانع والشركات أكثر من أي وقت مضى. فعودة الأسر إلى العاصمة لا يمكن أن تتم دون توفر مصادر دخل مؤكدة. ومن ثم فإن عودة رجال الأعمال ليست مجرد قرار استثماري، بل هي مساهمة مباشرة في الاستقرار، وإشارة قوية على تعافي الاقتصاد السوداني ككل.فالمستثمر حين يعود لا يعيد تشغيل مصنع فقط، بل يعيد تشغيل سلسلة كاملة: النقل، العمالة، الأسواق، الموردين، الخدمات، وحتى الأمن الاجتماعي. ولهذا فإن بطء عودة رجال الأعمال يعني عمليًا بطء تعافي الخرطوم نفسها.

3 بؤر الفساد
الاقتصاد السوداني لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من عُقد فساد مترسخة، يمكن تلخيصها في ثلاثة بوابات رئيسية: النظام المصرفي، استيراد المواد البترولية، وتهريب الذهب.

النظام المصرفي: التمويل وتركيز الثروة
قال لي خبير اقتصادي إنه أجرى دراسة على البنوك السودانية قبل نحو عقد من الزمان، فوجد أن عشرين أسرة فقط كانت تستحوذ على ما يقارب 80% من تمويل البنوك. والأدهى من ذلك أن كثيرًا من الضمانات المقدمة للتمويل كانت أعلى من قيمتها الحقيقية بعشرات المرات. إذن، فالعقدة الأساسية في فساد النظام المصرفي كانت – ولا تزال – تتمثل في كيفية التمويل وضماناته ومن يستحقه، في مؤشر على أن الفساد كان منظومة لتركيز الثروة أكثر من كونه مجرد هدر.
الان الحرب أضعفت البنوك وأفقرتها وبل ودمرت كثيرا منها، ولم تعد تملك تريليونات يمكن أن تموِّل بها، كما أن قدرة مديري البنوك على المحاباة أصبحت محدودة. ومع ذلك، يبقى علاج فساد القطاع المصرفي ممكنًا عبر سياسات واضحة وأدوات رقابية صارمة، إذا توفرت الإرادة.

استيراد المواد البترولية: المفتاح هو الشفافية
أما فيما يتعلق بتوريد المواد البترولية، فإن أبواب الفساد فيه ليست عصية على الإغلاق. فالمسألة يمكن ضبطها عبر الشفافية:
شفافية في تأهيل الشركات، شفافية في طرح العطاءات، وشفافية فرزها، وشفافية التمويل المصرفي، مع رقابة مباشرة من البنك المركزي على البنوك التي تتولى عمليات الاستيراد.
القصة – في جوهرها – لا تحتاج أكثر من ضوابط محكمة ونظام رقابي فعال.

تهريب الذهب: البوابة الأخطر
غير أن أخطر أبواب الفساد في السودان هو تهريب الذهب. فبالرغم من كثرة السياسات والقرارات والإجراءات المتتابعة – والمتناقضة أحيانًا – فإن الدولة لم تستطع حتى الآن أن تغلق أكبر بوابة للهدر الاقتصادي، التي تبلغ خسائرها – على أقل تقدير – حوالي 4 مليارات دولار سنويًا.
وبحسب التقرير الرسمي للشركة السودانية للموارد المعدنية، فإن الإنتاج يبلغ نحو 70 طنًا سنويًا، وهو ما يعادل – وفق متوسط الأسعار العالمية – ما يقارب 5.2 مليار دولار، لكن ما تم توريده فعليًا كعملات صعبة لا يتجاوز 1.8 مليار دولار. إن هذه الفجوة الهائلة تُعزز حقيقة أن جزءًا كبيرًا من الذهب السوداني يتحرك خارج القنوات الرسمية، ليغذي اقتصاد الحرب وشبكات التهريب. أما تقرير منظمة The Sentry فقد أشار إلى أن السودان كان ينتج في السنوات الأخيرة نحو 90 طنًا من الذهب سنويًا، وهو رقم يكشف حجم الفجوة بين الإنتاج الحقيقي والتوريد الرسمي، ويعزز حقيقة أن جزءًا كبيرًا من الذهب السوداني يتحرك خارج القنوات الرسمية، ليغذي اقتصاد الحرب وشبكات التهريب. تهريب الذهب لم يعد مجرد نشاط اقتصادي غير مشروع، بل أصبح نظامًا متكاملًا له ممولوه وحماته وسماسرة عبوره، وتحول إلى شريان يغذي السوق والسلاح والسياسة معًا.
لو تمسكنا بالأرقام الرسمية وحدها، فإن السؤال يظل قائمًا:
إذا كان الإنتاج الرسمي يساوي أكثر من 5 مليارات دولار سنويًا، فأين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا فشلت كل السياسات والإجراءات في وقف الفساد في أهم قطاع اقتصادي في البلاد؟
الإجابة – للأسف – ليست بعيدة. فهي لدى:
المعدنين، والمهربين، وتجار الذهب، والحكومة. فهذه هي الجهات التي تتقاطع مصالحها داخل شبكة الفساد.
في المقال القادم، سنفكك أدوار كل جهة من هذه الجهات داخل منظومة تهريب الذهب، لنجيب على السؤال الأهم الذي يحدد مستقبل الاقتصاد: هل يتم تهريب الذهب رغم الدولة… أم يتم عبر الدولة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى