ثورة أكتوبر 1964 منهاج مقرر في جامعة امريكية: أنا وإحراق الجنوبيون للوحة في معرض فني
Mazin
عبد الله علي إبراهيم
حضرت في سبتمبر الماضي (2017) بمدينة ماديسون فصلاً لطلاب جامعة ويسكونسون يقوم عليه الدكتور كليف تومسون ويدرس فيه ثورتنا في أكتوبر 1964. وهي ثورة شهدها تومسون وهو محاضر بقانون جامعة الخرطوم. وكتب عنها مخطوطة هي كتاب الفصل الدراسي. ولتقديم نفسي للطلاب قلت لهم سأختار من الشوط القليل الذي قطعتموه من كتابكم مشاهد لعبت فيها دوراً ما كطالب بالجامعة وعضو في قيادة اتحادها آنذاك. أشرت لهم على صفحة 13. قال تومسون فيها إن الجنوبيين رحبوا بفتح حكومة عبود باب النقاش العام في 1964 حول مسألة الجنوب. وكانت تريد بذلك تغطية إخفاقات جنوبية مشهودة لها آنذاك. وقال تومسون إن طالباً بجامعة الخرطوم كتب على الصفحة الأولى من جريدة “المورننق نيوز” يحتج لرفض الشماليين آراء الجنوبيين بشبهة أنها مما علمهم المبشرون المسيحيون. وقال الطالب إن أكثر قادة التحرر الوطني في أفريقيا من خريجي مدارس التبشير ولم يفت ذلك من عضدهم الوطني. وقال إن نسبة آرائهم إلى الكنيسة لا يعدو أن يكون ضيقاً منهم ذرعاً بتلك الآراء. وزاد تومسون بأن لكلمة ذلك الطالب الجنوبي خلفيات في الجامعة. فمنذ فبراير 1963 تدابر الطلاب الجنوبيون والشماليون. فأنسحبت جبهة الأوائل المسماة “جبهة رفاه الطلاب الجنوبيين” من الاتحاد برغم أنها لم يكن لها وجود في مجلسه أو لجنته التنفيذية. وبعد فراغ الطلاب من قراءة النص من كتابهم قلت لهم: “أنا الذي أقف أمامكم هنا من تسبب في هذه القطيعة بصورة رئيسة”. فقد كنت سكرتيراً للاتحاد في فبراير 1963. واتصلت بي قيادة جبهة الجنوبيين تحتج على لوحة بمعرض مقام بدار الاتحاد الحالية وطلبت نزعها. ووجدت في كتاب تومبسون وصفاً أفضل لما أزعج الجنوبيين من اللوحة. قال إن اللوحة “المسيئة” صورت باخرة على النيل الأبيض. وفصَّلت في رسم من على الشاطيء وكان بينهم إمرأة جنوبية واضحة الحمل وعارية. وبدا كمن تلتقط طعاماً مما يلقيه نحوها ركاب الباخرة. ولما لم يقبل الطلاب الشماليون نزع اللوحة تجمع الجنوبيون ونزعوها من صالة العرض وخرجوا إلى الباحة الغربية من نادي الاتحاد وحرقوها في جمهرة كبيرة. ونسب تومسون الواقعة إلى الكبرياء الجريح لكل من الشماليين والجنوبيين. فالشماليون عدوا الحريق استفزازاًً وفوق مطلوب مثل ذلك الموقف. وكان من رأي الجنوبيين أن الشماليين، لو فكروا أصلاً في المسألة، ظنوهم احتجوا على حقيقة عرى أهلهم. ولكن ما أغضبهم حقاً ليس العري بل رسم امرأة حامل بغير الخرقة التي عادت ما تستر بطنها. كما أنهم سقموا رسم الفنان لجنوبية تتكفف ركاب الباخرة وعدوها من الذوق الفاسد خاصة وكانت منطقة بور، التي رست عندها المركب، تعاني من مجاعة قارصة. حقائق نزاع اللوحة حق. وتترآى لي تلك اللوحة اليوم كما رأيتها معلقة بالمعرض منذ 47 عاماً. ولا زلت أذكر بلوغي دار الاتحاد وقد بدأ تفرق الجمهرة الجنوبية وقد أنجزت حرق اللوحة بقيادة الشاب الشلكاوي الماكن أوثوان داك. وكان جاري بداخلية الدندر (أو الهند الصينية كما قال طالب زائر من ملاوي لكبرها فكثرة قاطنيها). وكانت في داك روح زعامة تسربت إليه من إرث “الرث” الذي هو في أسرتهم. وربما كان معه أمبروز بني، الذي صار أستاذاً للغة الإنجليزية بجامعتي الخرطوم وجوبا، وبيتر جاتكوث الذي برز على دولة نميري وفترة التصالح مع القوميين الجنوبيين. وتوفي داك وبني اللذين امتدت صلتي بهما بعد الحريق وعرفت فيهما عزة وإنسانية مطاوعة وحباً باسلاً للسودان. حقائق نزاع اللوحة حق. ولكن تأويلات تومسون له تحتاج إلى الاستماع إلىّ كشاهد على ما حدث.