رأي

ثقوب في إهاب الديمقراطية في السودان

الرفيع بشير الشفيع

الكثير من الشعب السوداني تم خداعه بالديمقراطية الغربية بأنواعها وفي اعتقادي أنها “طابع حكم” لا يصلح للسودان إلا إذا تمت “سودنته” بغربلته من سلبيات الثقافة الغربية، وإلا إذا تم حقنه بأمصال سودانية لها علاقة بالدين والقيم والأخلاق الإسلامية – السودانية الطابع دون غلو أو تزهد أو خلاف عقدي، وإلا إذا عالجنا ديمقراطية الغرب وأرجعناها إلى أصلها في الإسلام وزودناها بمقتضيات وحوجات العصر من مواكبة وما توصل إليه العقل البشري في دنيا العلم والعلوم مع تضبيط مرجعية ذلك على مقتضيات النقل ، وإلا إذا جردناها من معاني “العلمانية” بالمفهوم الغربي والذي لا يشبه ديننا ولا قيمنا وإلا إذا احتفظنا بقيم الديمقراطية “المسودنة” بعدلها وشورتها وبسطها للحقوق وبإرساء دور الرقابة والشفافية والمحاسبة، بما يفعله الغرب ، وهذا لا يتأتى إلا إذا بحثنا في أصول الديمقراطية الغربية وعرفنا حدود اقتباساتها وقياساتها على شرعنا، وإلا إذا حرسنا هذه الديمقراطية المسودنة بقوة أخلاقنا وقيمنا وإيماننا وحبنا لوطننا وتغطية الثقوب في الممارسة الديمقراطية في السودان ومنذ الإستقلال.

ويجب أن يستوعب التغيير إلى ديمقراطية مسودنة الدور الوطني للقوات المسلحة تطبيقاً للديمقراطية نفسها بإعتبار أن الجيش جزء لا يتجزأ من الشعب وجزء أصيل في حراسته وله مساهماته في حياة الشعب و حفظ أمنه بعد الله. وأن الديمقراطية بالمفهوم العلماني والذي يدعي “المدنية ” بإعتبار انها أمر لا يستوعب الجيش بل يحاربه إنما يعد هذا هو الباطل بعينه ولا توجد في كل الدنيا وكل الديمقراطيات أو أي صيغة حكم في العالم لا يمثل الجيش فيها قوام الوطن وحارسه والمساهم في إرساء ديمقراطيته وحكمه ومسار مستقبله ، والكل الآن عرف أن إطلاق أو المطالبة بالديمقراطية والمدنية العلمانية على عواهنا ودون تفسير لمصطلحاتها أو إظهار لأجندتها الخفية، وسودنتها، الكل عرف أن هذا يُعد ضربا من ضروب السفه السياسي. فالديمقراطية في السودان هي ممارسة منتقاة وفيها بذرة الخلافات السياسية وتطبيقها فيه الكثير من خبط العشواء ولا تحتكم بالدستور ولا القانون ، ولا تطبق أساسا كعدل مدني أو غيره ما لم يحدث فيها تغيير جذري و تسودن (بأخذ ما ينفع منها وترك سوالبها الكثيرة)، فالممارسة الديمقراطية بغير حراسة لها وبغير رقابة ومحاسبة دائما تجر عندنا إلى دكتاتورية وإلى طغيان وتجبر من نوع آخر وتجر إلى عصبية وتكتلات حزبية وقبلية وعنصرية (بممارستها السابقة دون وازع أو رقيب ومحاسب) وتودي إلى محسوبية وفساد وتهميش أيضا لكل قواعد أحزاب الأقلية وينعدم العدل المجتمعي والمناطقي وتفترض حقوق الأغلبية حتى لو كانت هذه الاغلبية ميكانيكية تتم إدارتها وتوجيهها بنمط إدارة القطيع وتوجيهها لمصالح تصب في مصلحة بيوتات وشخصوص معينة وأحزاب فرضت وجودها في إدارة الوطن (بالأغلبية) والأغلبية فقط ، لكن في ممارستها الكثير من الغصب وانتهاك حرمة أي قانون والإعتداء على حقوق الوطن والشعب والجيش نفسه ، بحكم حق الاغلبية، التي جلبتها ادعاءات ملكية تاريخية أو “حق إلهي” مُدّعى.

شاهدنا الديمقراطية الغربية والتي تجلبها الأغلبية بدون أي أحقية إلا الأغلبية ، وهي بعيدة عن معرفة إدارة وطن وبعيدة عن بسط عدل ومعرفة معنى الوطنية الشاملة، رأينا كيف انها انتجت الكثير من التهميش لمناطق وأقاليم طرفية أو وسطية لم تحظ أحزابها بأغلبية أو فوز ميكانيكي وبأعراف سياسية نمطية تدعي الديمقراطية “الغربية” وهذه في حد ذاتها ضد الديمقراطية بكل أنواعها وضد أخلاقنا وقيمنا وسودانيتنا ومعنانا كدولة تدعي التماسك القومي والوحدة في القيم والثقافة.

نحن نريد سودنة طابع حكم يعالج كل أخطاء الماضي وليست ديمقراطية هكذا وبشكلها القديم فهي لا تصلح للسودان ولا للمنطقة الآن ، وهي ديمقراطية “مكشوطة الدسم ” ونوع من إدارة الوطن غير واقعي وغير إيجابي مادام أنه تأسس على أغلبية فقط وأن أي حكومة فيها تأتي بما يناسبها من قانون وتعتدي على الدستور وتفعل فينا وفي الوطن ما تشاء.

وحتى الديمقراطية في أكبر الدول تنتهك طالما انعدم الضمير السياسي وطالما أن دولة مثل أمريكا تنخر فيها اللوبيات وتجعل بعض إدارتها تنتهتك الديمقراطية كما نراه الآن فإن الديمقراطية في الغرب نفسه تحتاج لتطعيم بأمصال العدل والحق والقيم وهذه لا تصلح لنا .

التغيير (اللازم) والذي فرضته ظروف معينة خارجية وداخلية أمنية واجتماعية واقتصادية وسياسية الآن ، يقتضي البحث في صيغة وطابع حكم يلائم السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى