تعقيباً على مقال السفير عبدالمحمود عبدالحليم : فى تذكر السفير عبد الهادي الصديق
Mazin
السفير عطا المنان بخيت 23 يونيو 2026م عن اامحقق
خيراً فعل السفير العملاق، أستاذنا عبد المحمود عبد الحليم، عندما تناول فى لمسة وفاء جميلة، سيرة السفير والأديب والمفكر عبد الهادي الصديق رحمه الله، مستعرضاً إسهاماته المميزة فى الأدب والفكر السياسي، ومركزاً بشكل أساسي على كتاباته العميقة عن أفريقيا، لا سيما كتابه القيم جداً (السودان والأفريقانية). وإذ نحمد لسعادة السفير عبد المحمود مقاله الماتع، فقد حفزني ذلك على تسليط مزيد من الضوء على سيرة السفير عبد الهادي الصديق وأعماله الخالدة التى رفد بها المكتبة العربية السودانية والأفريقية.
لقد سحرت قارتنا الفاتنة كثيراً من الدبلوماسيين السودانيين على مر العهود، فطلبوا ودها، ودفعوا مهرها حبراً، حفلت به الصحائف والكتب، منهم من هام بها شعراً، ومنهم من مدحها نثراً، ومنهم من قاص عميقاً في تاريخها الباذخ فأخرج درراً. ومَن مِنا لا يذكر، محمد عثمان يس، وجمال محمد أحمد، ومحمد عمر بشير، والحردلو، وصلاح أحمد إبراهيم، ومحمد المكى إبراهيم، وعثمان السيد ونور الدين ساتي، وعبد المحمود عبد الحليم، وخالد موسى، وغيرهم، يضيق المكان لذكرهم، من رواد الأفريقانية في الدبلوماسية السودانية.
ولم يقتصر حب أفريقيا، والإهتمام بها على الدبلوماسيين، فقد كتب كثير من المؤرخين والمثقفين والمفكرين السودانيين عن أفريقيا، وأجادوا وأحسنوا، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، البروف يوسف فضل، ومحمد إبراهيم أبو شوك، والتجاني عبد القادر، وحسن مكى وعز الدين عمر موسى، وعبدالله على إبراهيم.
وسط كل هذا الحب والإهتمام بأفريقيا، جاء عبد الهادي الصديق، وأشتق لنفسه نهجاً مختلفاً، وطريقاً مميزاً، فأصبح مدرسة قائمة بنفسها، ليس على مستوى السودان، بل على مستوى القارة كلها. وذلك مما يجب أن نفتخر به ونظهره للناس. لم تكن أفريقيا عند عبد الهادي قصيدة تنشد، أو كتاب ينشر، أو مؤتمراً يحضر، فقد كرس رحمه الله كل وقته للبحث والدراسة حول السودان وأفريقيا. لم ينظر للتاريخ فقط، كما فعل الكثيرون، لكنه ربط التاريخ بالواقع، وصوب الواقع نحو المستقبل، لذلك تميزت كتاباته. كان عميقا في طرحه، واضحاً في هدفه، جريئاً في رأيه.
دعونا نستعرض في إيجاز شديد، أهم عملين للسفير عبد الهادي، الأول أطروحته المتميزة حول الحزام السوداني، والثاني كتابه المرجعي العميق حول السودان والأفريقانية، وهي أعمال قوية ومتميزة إذا قارناها بما كتبه مفكرون أفارقة كبار حول هذين الموضوعين. نقول أولاً أن مصطلح الحزام السوداني، تميز به السفير عبد الهادي دون غيره، وهذا جزء من جرأته في طرح آرائه، لأن المصطلح لم يعجب الكثيرين، من الذين أشار إليهم السفير عبد المحمود فى خاتمة مقاله الرصين. كان الكتاب يتحدثون عن حزام الساحل، أو الساحل الأفريقي، بل حاولوا توليد تعريف جديد للساحل الأفريقى يستثني السودان كأنه ليس جزءا من هذه المنظمومة المترابطة. وهؤلاء حاولوا كسر عنق الحقيقة في وضح النهار، ونسوا أن كل هذا الشريط الطويل من البحر الأحمر حتى المحيط الأطلسي، أطلق عليه الجغرافيون منذ الأزل مصطلح بلاد السودان.
قدم السفير عبد الهادي في كتابه عن الحزام السوداني، رؤية جديدة تقوم على أن هذا الحزام هو وحدة حضارية ثقافيه قبل أن يكون مساحة جغرافية هندسها الاستعمار الغربي في مطلع القرن الماضى. وقال أن السودان هو القلب النابض لهذه الوحدة الحضارية. هذه الرؤية الكلية للحزام السوداني، أو لمنظومة دول الساحل الأفريقي، كانت غائبه أو مغيبة قصداً. الفكرة الثانية الأساسية التي دافع عنها السفير عبد الهادي الصديق، هى أن القوة الأساسية الناظمة لوحدة الحزام السودانى الحضارية والثقافية، هو الإسلام، والإسلام الصوفي على وجه الخصوص، وتحدث بشكل مطول ومقنع عن دور الطرق الصوفية فى منطقة الساحل لا سيما الطريقة التجانية.
أما مساهمته الأكبر في الفكر السياسي الأفريقي فقد كانت كتابه المعنون، السودان والأفريقانية، وهو كتاب جدير بالإطلاع، لكل مهتم بعلاقات السودان الأفريقية، والدور المرتجى منه فى نهضة ووحدة القارة. الفكرة الأساسية التي جادل حولها عبد الهادى في هذا الكتاب الهام، هى أن الافريقانية ليست مجرد إنتماء لحيز جغرافى معلوم، وليست لون بشرة يميز مجموعة بشرية بعينها، وإنما هو مشروع تحرير وتحرر للقارة ولإنسان القارة. وتطرق الكتاب للفروقات الكبيرة بين تيار الأفريقانية كحركة تحرر، والزنجية كحركة ثقافية ولدت مؤخراُ. وعلى هذا الأساس تتبع نشأة فكرة الأفريقانية كحركة تحرر سياسي منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وأسهب في السرد والتفصيل. وكان عبد الهادي حصيفاً عندما استعرض الدور الذي قام بها مفكرون ذوو أصول سودانية في وضع الأسس الفكرية لحركة الأفريقانية. تناول فى هذا الصدد شخصيتين محوريتين، هم فليكس دارفور كناشط حقوق مدنية، ومحمد علي دوس، كمنظر أساسي لتيار الأفريقانية. وأعتقد جازماً أن كل من نظر وكتب عن الأفريقانية سواءً من الأفارقة أو الدياسبوار في أمريكا كلهم عيال محمد علي دوس.
وبناءً على ذلك أكد عبد الهادي دور السودان فى حركة الأفريقانية، قديما وحديثا، لا سيما دعمه لحركات التحرر الأفريقي، والتى كانت قاسما مشتركا لكل حكومات السودان، بل لمثقفيه وشعرائه ومفكريه. ومرة أخرى يضع عبد الهادي الصديق السودان في مكانه الطليعي الذى لا ينكر فى حركة الأفريقانية.
ولذلك في تقديري أن عبد الهادي الصديق قد تميز على كتاب عصره من السودانيين والأفارقة، وخط لنفسه مكانة جديرة بالاحترام. وهذا البيان المقتضب بعيد من أن يوفيه حقه، وشكراً للسفير عبد المحمود على لمسة الوفاء.