تضخم الذات في الشأن العام السوداني… من صناعة الهالات إلى تآكل الدولة
Mazin
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
لم يكن السودان، في تاريخه الاجتماعي والسياسي، مجتمعًا يقوم على الاستعراض أو تضخيم الأنا الفردية. فقد عُرف السودانيون تقليديًا بقدر من التواضع الاجتماعي، وبنزعة جماعية تضع القبيلة أو المجتمع أو الوطن فوق الفرد. غير أن التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من اضطراب في بنية الدولة وتراجع في منظومات القيم العامة، أفرزت ظاهرة لافتة أخذت في التوسع والتضخم، يمكن وصفها بـ “تضخم الذات في الشأن العام السوداني”.
والمقصود هنا ليس الاعتداد الطبيعي بالنفس، ولا الطموح المشروع للإنسان في تحسين مكانته أو أداء دوره العام، وإنما تحول الذات الفردية إلى محورٍ متضخم يبتلع الفكرة والقضية والوطن معًا، بحيث يصبح المنصب أو الدور العام وسيلة لتضخيم الصورة الشخصية أو المركز الإجتماعي للفرد لا لخدمة المصلحة العامة.
هذه الظاهرة لا تقتصر على مجال بعينه، بل تتجلى في عدد من دوائر التأثير في المجتمع السوداني، بدءًا من بعض المسؤولين الرسميين، مرورًا ببعض القادة العسكريين والسياسيين، وصولًا إلى بعض قادة التنظيمات المسلحة والإدارات الأهلية وبعض رموز المجتمع في الرياضة والفن والإعلام. ففي دوائر المسؤولية العامة، بات من المألوف أن تتحول المواقع الوظيفية إلى منصات لبناء الهالة الشخصية، حيث يتسع الفارق بين حجم الدور الحقيقي وبين الصورة التي يُراد تسويقها في الفضاء العام.
أما في المؤسسة العسكرية، وهي بطبيعتها مؤسسة يفترض أن تقوم على الانضباط والواجب والتجرد، فقد ظهرت في بعض الحالات نزعات فردية تسعى إلى صناعة “الزعيم” قبل ترسيخ المؤسسة، وإلى بناء المكانة الشخصية قبل تثبيت القواعد المهنية. وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول القيادة العسكرية من إطارها المؤسسي إلى إطار شخصاني قائم على الكاريزما المصنوعة والولاءات الفردية. ولا يقتصر الأمر على القيادات النظامية داخل الجيوش الرسمية فحسب، بل يمتد كذلك ليشمل قادة المليشيات والتنظيمات والكيانات العسكرية التي ظهرت في سياق الحرب أو قبلها، حيث تُصنع حول بعض الشخصيات هالات قيادية متضخمة تقوم على الولاء الشخصي والاستعراض الإعلامي أكثر مما تقوم على البناء المؤسسي والانضباط المهني.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في الساحة السياسية، حيث أصبح التنافس في كثير من الأحيان قائمًا على صناعة الرموز الفردية أكثر من بناء البرامج والرؤى. فبدل أن يكون المشروع السياسي هو الأساس، تتحول السياسة إلى مسرح لتكبير الأسماء وتضخيم الحضور الشخصي.
كما برزت هذه النزعة بصورة أوضح في بعض قادة التنظيمات العسكرية والحركات المسلحة، حيث تُصنع الهالات حول بعض القادة عبر سرديات البطولة الفردية أو الخطابات التعبوية، في حين تبقى المؤسسات ضعيفة والبنى التنظيمية هشة.
وفي الإدارات الأهلية والطوائف والقيادات القبلية والشعبية، ظهرت مظاهر مشابهة، حيث يتسع أحيانًا الفارق بين الدور الاجتماعي الحقيقي وبين صورة القيادة التي تُصنع عبر المظاهر والرموز الاجتماعية المصطنعة.
حتى بعض رموز المجتمع في الرياضة والفن والإعلام لم يكونوا بعيدين عن هذه الظاهرة، حيث يتشكل أحيانًا حضور مبالغ فيه يقوم على التلميع الإعلامي أكثر من الإنجاز الحقيقي أو الإمكانات الفعلية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تتجلى فقط في الخطاب أو السلوك، بل في مظاهر مادية واجتماعية واضحة، من أبرزها: الإنفاق المفرط على المظهر الشخصي، بما يتجاوز حدود اللياقة الاجتماعية إلى مستوى الاستعراض المقصود. تضخم الحاشية المحيطة بالشخصيات العامة، من مرافقين ومساعدين ومستشارين. الانتشار غير المبرر للحراسات والمواكب بما يفوق الحاجة الأمنية الحقيقية. تنامي أعداد مديري المكاتب والسكرتارية بصورة تتجاوز متطلبات العمل الفعلية. الحضور الإعلامي المصنوع الذي يُنفق عليه المال والجهد لخلق صورة متخيلة عن التأثير والوزن. الترويج عبر الوسائط الرقمية من خلال حملات المديح والإطراء وصناعة “الترندات” المصطنعة. التلميع المتكلف الذي يسعى إلى بناء هالة اجتماعية قد لا تكون مطلوبة ولا محببة لدى المجتمع.
وإلى جانب العوامل السياسية والاجتماعية، فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة دورًا متزايدًا في تضخيم هذه الظاهرة. فقد تحولت بعض المنصات الرقمية إلى ساحات لصناعة الهالات الشخصية وتضخيم الحضور الفردي، حيث يمكن عبر حملات منظمة من المديح والترويج والصور المصممة بعناية خلق انطباعٍ واسعٍ بالنفوذ أو التأثير، حتى وإن كان الواقع أقل من ذلك بكثير. وفي ظل غياب المعايير المهنية الصارمة في الفضاء الرقمي، يصبح من السهل صناعة “الزعامة الافتراضية”، حيث يتقدم الضجيج الإعلامي على الفعل الحقيقي، وتسبق الصورة المصنوعة الإنجاز الفعلي.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود هذه النزعة أو في مظاهرها الاجتماعية، فلو كانت هذه الظاهرة محصورة في الشأن الخاص، يمارسها أصحابها في حدود حياتهم الشخصية دون أن تمس مواقع العمل العام أو مناصبه، ودون أن تتحمل الدولة أو المجتمع كلفة ما يصاحبها من إنفاق واستعراض، لربما أمكن النظر إليها بوصفها خيارًا شخصيًا أو سلوكًا فرديًا يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه. لكن موطن الخلل الحقيقي أن هذه الظاهرة كثيرًا ما تُلقي بأعبائها على الدولة نفسها، وعلى مواردها العامة، وعلى مؤسساتها التي يفترض أن تكون مكرسة لخدمة المواطن لا لصناعة الهالات الشخصية أو بناء الرصيد الاجتماعي الخاص، خاصة في ظل معاناة الدولة أمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وفي ظل شعبٍ ظل لسنوات يبحث عن سبل تحسين سبل العيش والنهوض بالاقتصاد. وهنا يتحول تضخم الذات من مجرد سلوك اجتماعي إلى عبءٍ على الشأن العام، تتبدد في ظله الموارد في مظاهر البذخ والاستعراض، بينما تظل حاجات المجتمع الأساسية أكثر إلحاحًا وأحق بالاهتمام.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى اقتصاد رمزي قائم بذاته، تُنفق فيه الأموال والجهود ليس لبناء مؤسسات أو تحقيق إنجازات، بل لبناء صورة شخصية متضخمة وعلامة اجتماعية فردية.
ومع استمرار تضخّم الذات في مجال العمل العام السوداني، لا يبدو الأمر مجرد سلوك اجتماعي عابر أو نزعة فردية يمكن احتمالها، بل يقترب في دلالته من حالة مرضية تتسلل إلى جسد الدولة نفسها. فكأن هذا التضخم يتحول شيئًا فشيئًا إلى ورمٍ خبيثٍ يتكاثر في أنسجة المجال العام، ويعمل بصمت على تآكل خلايا الدولة السودانية ومؤسساتها، حتى يضعف قدرتها على القيام بوظائفها الطبيعية، ويقودها في نهاية المطاف إلى حالة من الوهن والاختلال قد تؤدي إن لم تُعالَج إلى هلاك الدولة نفسها.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في المظاهر، بل في المعنى الكامن خلفها. ففي كثير من الحالات يصبح الشأن العام نفسه مادة للاستثمار الشخصي؛ تُتَّخذ قضايا الوطن سلعةً للاتجار السياسي أو الاجتماعي، ويُستخدم الحديث عن الوطن سلّمًا للصعود الشخصي.
وهنا يحدث الانقلاب الأخلاقي الأخطر؛ حيث يُرفع الشخص فوق القضية، وتُقدَّم الذات على الوطن، ويصبح الأخذ أكثر من العطاء. فهذه الظاهرة لم تولد فجأة، فقد كانت موجودة بدرجات متفاوتة لكن بنسبٍ مقبولة خلال سنوات نظام الإنقاذ، حيث ساهمت طبيعة السلطة المركزية والخطاب التعبوي في إنتاج بعض مظاهر الشخصنة. غير أن تراجع الدولة بعد سقوط النظام في عام 2019م، ثم الفراغ المؤسسي الذي أعقب ذلك، سمح لهذه النزعة أن تتضخم بصورة أكبر.
ثم جاءت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل من العام 2023م لتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث اختلطت السلطة بالسلاح، والسياسة بالإعلام، والنفوذ بالمال، فأصبح المجال العام ساحة مفتوحة لصناعة الرموز الفردية والهالات الاجتماعية.
في هذا المناخ المضطرب، أصبح كثيرون يسعون إلى موقع اجتماعي، أو مركز سلطة، أو نفوذ مالي، أو مكانة رمزية، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم أو على حساب الوطن نفسه.
والحال أن الأمم لا تبنى بتضخم الذوات، بل بتواضع الكبار، وبقوة المؤسسات، وبسمو القيم العامة. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي يتقدم فيها الوطن على الأشخاص، والمؤسسة على الأفراد، والفكرة على الزعامة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون فقط عبر النقد الأخلاقي، بل تحتاج إلى علاج مؤسسي واجتماعي وثقافي يقوم على: إعادة الاعتبار لقيم العمل المؤسسي بدل الشخصنة. ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة في العمل العام. تقليل مظاهر الاستعراض السلطوي في الحياة السياسية والاجتماعية. إعادة الاعتبار لقيم التجرد والتواضع والخدمة العامة.
كما يحتاج المجتمع نفسه إلى مراجعة بعض أنماط السلوك التي تسهم في صناعة هذه الظاهرة، مثل المبالغة في المديح، وصناعة الهالات، وتقديس الأشخاص بدل تقييم الأفعال.
فالوطن، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى نجوم سياسيين أو عسكريين بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة؛ رجالٍ يعرفون أن القيادة ليست مظهرًا، وأن المسؤولية ليست وجاهة، وأن خدمة البلاد ليست طريقًا للثراء أو الشهرة، بل تكليف ثقيل يقتضي التضحية والبذل والتجرد.
إن السودان، وهو يمر بهذه اللحظة التاريخية العاصفة، أحوج ما يكون إلى إعادة ترتيب سلّم القيم في الحياة العامة؛ بحيث يتقدم الوطن على الذات، ويتقدم العطاء على الأخذ، وتتقدم التضحية على الامتيازات.
وعليه، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس فقط الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل تضخم (الأنا الشخصية) في مجال العمل العام، حينها تتقدم مراكز الأنا الفردية على الفكرة، والشخص على المؤسسة، وتطغى هالة المسؤول على الدولة نفسها. فالأوطان لا تبنى بالمديح المصنوع ولا بالهالات المتكلفة، بل تبنى برجالٍ ونساءٍ يعرفون أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن الموقع العام خدمة لا امتياز، وأن الوطن أكبر من كل الأسماء والوجوه.
وحين يستعيد المجتمع هذه المعادلة الأخلاقية البسيطة، تتراجع الهالات المصطنعة، وتعود المؤسسات إلى مكانها الطبيعي، ويستعيد الوطن عافيته. أما إذا استمر تضخم الذات دون مراجعة أو مساءلة، فإن الهالات التي تُصنع حول الأشخاص قد تتحول – من حيث لا يشعر أصحابها – إلى معاول تنخر في جسد الدولة حتى تضعف وتنهار.
وليس أخطر على الدول من تضخم الأنا في الشأن العام؛ فالدول تنهض بالمؤسسات، لكنها تضعف حين تتحول المواقع العامة إلى مرايا تعكس صور شاغليها لا قضايا الوطن ومصالحه.
فالأوطان لا تنهض بالهالات المصنوعة، ولا تُبنى بالمديح المصطنع، بل بعرق الرجال الصادقين الذين يعملون بصمت، ويعطون دون انتظار مكافأة، ويضعون الوطن فوق كل حظ نفس أو شأن خاص. وحين يستعيد المجتمع هذه المعادلة، يمكن عندها فقط أن ينحسر تضخم الذوات، ويعود السودان إلى صورته التي عرفها الناس من كونه وطنًا كبيرًا برجالٍ متواضعين، ولكن بعطاءٍ عظيم منزوع “الانا”.